لآلئ وأصداف – الشعر في موكب السيرة العطرة(5)


كان في المدينة، في الجاهلية، فنّ يسمّى النقائض، ويقوم على التفاخر بالأنساب والآباء والأيام، فلما كان الإسلام عرف هذا الفن تطورا عظيما، ودخل فيه شعراء ذوو ألسنة حداد، وصار للعقيدة التي لم يكن لها وجود في الشعر الجاهلي حضور بارز، وأصبح شعراء الإسلام يفخرون على خصومهم بأنهم أهل توحيد، لا أهل شرك، وأن النصر من عند الله، لا من كثرة العدة والعدد. وعرف حسان بن ثابت، بحنكته وخبرته وشاعريته، كيف ينال من المشركين في شعره، وذلك بالمزج بين المذهبين، لأن في تذكير المشركين بالأيام والوقائع أثر جسيم في نفوسهم. وأشعارهم في ذلك كثيرة.

ولكن الأمر لم يقتصر على حسان، بل كان لغيره من الشعراء، ولاسيما كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، نصيب وافر من ذلك. وقد شاع على ألسنة الناس رأي يذهب إلى أن حسان بن ثابت وكعب بن مالك كانا يتناولان المشركين بالنيل من أحسابهم وأنسابهم، وأيامهم ووقائعهم، وأن عبد الله بن رواحة كان يهجوهم بالشرك. فكان شعر حسان وكعب أشد عليهم لما كانوا على شركهم، فلما أسلموا هانت عليهم تلك الأشعار. وأما شعر عبد الله بن رواحة فظل أثره يمضهم في الإسلام، لأنه يذكرهم بما كانوا عليه من الكفر والضلالة.

وهذا الرأي، وهو صادر عن ناقد حصيف، قد يكون سليما وسالما من الطعن من وجوه، إلا أنه لا يمكن أخذه بإطلاق. ففي شعر كعب وحسان أيضا أثر للإسلام بالغ في مناقضاتهم. وللتدليل على ذلك نورد مناقضة كانت ما بين ضرار بن الخطاب، يوم كان على شركه، وبين كعب بن مالك.

ومطلع قصيدة ضرار بن الخطاب في يوم بدر:

عليهم غدا، والدهـــــــــر فيه بصائر

فأجابه كعب بن مالك، فقال:

عجبت لأمــــــــــــر الله، والله قــادر

على مــــــــا أراد، ليـــــس لله قاهـــــر

قضى يوم بدر أن نلاقي معشــــــــرا

بغــوا، وسبيل البغي بالناس جائــــــــر

وقد حشدوا واستنفروا من يليهــــــم

من الناس حتى جمعهم متكـــــــــــاثر

وســــارت إلينا لا تحاول غيرنــــــــــا

بأجمعهــــا كعبٌ جميعـــــا وعــــــامرُ

وفينا رسول الله، والأوس حــــولـــــه

لهـــــم معقـــل منهم عزيـــز ونــــاصر

وجمع بني النجــــار تحت لــــــوائه

يُمشّــــــــــون في الماذيّ، والنقع ثــــائر

فلمــا لقيناهم، وكــل مجاهـــــــــد

لأصـــحابـه مستبسل النفس صـــــابر

شهــدنا بأن الله لا ربّ غيـــــــــــره

وأن رسول الله بالحــق ظـــــــــــــــاهرُ

وقد عُـــرّيتْ بيضٌ خفـــافٌ كأنهـا

مقابسُ يزهيهــا لعينيك شاهـــــــــــرُ

بهنّ أبدنــا جمعهم فتبـــــــــددوا

وكان يلاقــي الحيْن من هو فـــــــــاجرُ

وكان رسـول الله قد قال: أقبلـــوا

فــــــــولّـــوا وقالوا: إنما أنت ســــاحرُ

لأمر أراد الله أن يهلكـــــــــوا به

وليْــــــــــس لأمر حمّه الله زاجــــرُ

ففي هذه القصيدة أمور متعددة، جديرة بالنظر، ومنها:

إن هذه القصيدة تقوم شاهدا على أنه ليس ضربة لازب القول بأن كعب بن مالك كان يهجو القوم بمآثر الجاهلية فحسب، وأنه ترك أمر الكفر والإيمان لابن رواحة. فالقصيدة مليئة بالإيمان من مطلعها إلى مقطعها.

لقد افتتح ضرار بن الخطاب قصيدته بما يدل على عقيدة المشركين الدهرية، وأنه ما يهلكنا إلا الدهر، فالحين الدائر، أي الهلاك، إنما هو من فعل الدهر. فجابهه كعب منذ المطلع بأن الأمر كله لله. وذكر من صفاته تعالى القدرة والقهر، وذلك ما يناسب المقام؛ لأن المقام ليس مقام رحمة، بل مقام قهر للأعداء. وفي هذا ردّ على القائلين بأن الإسلام لم يؤثر في الشعر يوم مجيئه. كل ما في القصيدة ينطق بإسلاميتها. ولو أننا وضعناها بين يدي قارئ حصيف، غفلا من اسم صاحبها، وطلبنا منه تحديد عصر قائلها، لما ردها إلا إلى الإسلام. وأثر الإسلام في القصيدة ليس وقفا على الألفاظ فقط، ولا على المعاني فقط، بل هو جامع بين المعنى والمبنى. فالشاعر بعدما صور لنا بعض مظاهر المعركة في سبعة أبيات، خلص إلى نتيجة باهرة، سجلها في قوله:

شهــدنا بأن الله لا ربّ غيــــــــــره

وأن رسول الله بالحـــــق ظــــــــــاهرُ

ففي هذا البيت إقرار بالوحدانية، وفيه شهادة برسالة محمد ، وفيه بيان لحقيقة لا تتخلف أبدا، وهي ظهور رسول الله  على أعدائه بالحق.

وفيها بيان انهيار للقيم الجاهلية التي كانت تجعل العداوة بين الأوس والخزرج عداوة لا تنتهي، وهي التي قال فيها الحق سبحانه: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(الأنفال: 63). فالشاعر، وهو خزرجي، يبدأ بالفخر بالأوس، ثم يثني بالخزرج. ولا ننس أن الخزرج هم أخوال رسول الله .

وفي القصيدة اقتباس واضح من القرآن الكريم، ومن ذلك قول الشاعر:

وكان رســـول الله قد قال: أقبلـــوا

فــــــولّـــوا وقالوا: إنما أنت ســـــــاحرُ

فهذا من قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا(الإسراء: 47).

ويختم كعب قصيدته بهذا المقطع:

لأمر أراد الله أن يهلكــــــــــــوا به

وليْـــس لأمر حمّه الله زاجـــــــــــرُ

وفيه تأكيد لعقيدة القدر، وتسليم لأمر الله ، وبيان لقدرة الله المطلقة التي لا يقف دون تنفيذها شيء.

أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *