كيف تُسْتَثْمر العطل


يعتبر علماء النفس التربوي أن جسم الإنسان تطرأ عليه تغيرات بفضل تغيير المحيط أو بفعل ما يزاوله من مهام وأعمال ينتج عنها التعب والكد، وقد يكون الإنسان نبيهاً حيا نشطا في مكان وخافتا ضامرا في مكان آخر، وذلك كله يمكن إرجاعه إلى أثر العامل النفسي على الذات ومحيطها، وينبهنا علماء التربية وخصوصا فيما له علاقة بأنماط الفكر أن للتوعية الجانبية أثرا في تجويد مراقي وملكات عقولنا ومداركنا، ومن هذا السبب أو ذاك تم إحداث العطلة من العمل والتفرغ للراحة قصد إعادة تحيين وترقية المعلومات بعد راحة علمية دراسية أنهكت قوى العقل، ثم إتيان فترة الصيف التي اعتبر بعض علماء التربية أن هذه المدة يحتاج فيها الذهن إلى تغيير الممارسة التي يقبل عليها، أي الانتقال من جانب علمي أو عمل إلى جانب آخر قد يختلف عليه من حيث المكان أو الوظيفة، فهل فعلا يستثمر طلبتنا وأبناؤنا عطلهم بتنمية عقولهم وبناء أفكارهم؟ أم حالنا لا يختلف عن فهم العوام للمقصود من العطل بتعطيل الأذهان وقصف الكتب إلى حين حصول وقتها الذي يقيد الإنسان بقضبان الوقت الإلزامي للدراسة؟

إن الأسئلة السابقة تحاول أن تجيب عن نقطة في غاية الأهمية، وكأنها ستجدي بالقارئ إلى كون البعض منا  يعتبر العطلة مناطا للجد والاشتغال في مجال مخالف للأول إما ثقافة حرة أو اطلاع على أبحاث تشوقت النفس واستمالت قراءتها ومعرفتها، وهذا يعني أن هناك من يستثمرها فيما يعود عليه بالنفع ترقية وبناءً، وبمفهوم المخالفة لما سلف ذكره فإن منا من يعتبر العطلة الهروب من المسؤولية أو الارتياح منها بالنوم وإعطاء الجسد والعقل والنفس الراحة التامة التي تجعل منه معطلا عن وظيفيته بالمطلق، وما أكثر هذا الفهم في مجتمعنا، ليس في صفوف الطلاب والتلاميذ فحسب، بل من يمتهن مهنة التربية والتعليم أو التكوين، وليس من الحكمة في كتابة هذا المقال سرد أحوالنا مع العطل والتباكي عليها أو وصفها بشتى أنواع العرض والتفصيل، فكل واحد منا يعرف حاله وفيما يقضي وقته، وإنما الهدف من هذا المقال هو أن أعطي بعض الثمرات –التي أعتبرها نافعة– التي تقود طلابنا وتلامذتنا لتطوير وتجديد مساحة العقل الفكري بتغيير الموطن من جهة إلى جهة سواء علما أو عملا…

وبما أننا نحن في بداية العطلة، فهي فرصة لا يعلم قدرها إلا من قرب على الانتهاء من هذه الحياة، كيف لا والزمن سيف إن لم تقطعه قطعك، وقد قال النبي  في شأنه: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، فقرن رسول الله  الصحة بالفراغ لأنهما تاج لا يعلمها إلا من فقدهما، وكما هو معهود السلف من العلماء أنهم يفرحون بهذه الإجازات أو العطل، حتى إن أحدهما قد تجده ألف كتابا أو موسوعة كما كان حال ابن تيمية أو ابن القيم وغيرهم من المتقدمين أو حال الأساتذة والفضلاء من أهل العلم من الأكاديميين الذين يقدرون الوقت ولا يبيعونه ولو قيد أنملة، وسعادتهم لا تقدر بثمن، وقد تجد أحدهم يعيش ضنكا لكثرة توافد الضيوف خصوصا إذا كان ممن لا يؤمنون بالثقافة الفكرية، أو لا يقدرون العطل الصيفية، إذ هي الملاذ الوحيد للإنتاج كثير من الناس، وكذلك يحصل لبعض طلابنا وتلامذتنا في العصر الحالي وقليل ما هم بل أكثرهم لا يدركون.

إن الهم الذي يحمله لمن يتزود بالعطل هو:

  • التكوين الذاتي لتنمية الأفكار إما لضعف بين في علم من العلوم أو الاطلاع على علم جديد ترغب النفس في الاطلاع عليه أو التزود منه، أو القراءة الحرة التي تطيب لذة النفس بها، ويمتلئ الجوف منها.
  • الاطلاع على المستوى المرغوب تعلمه في السنة المقبلة، وهذا خاص بالطلبة والتلاميذ ممن لازالوا في عمر الدراسة، فيبحثون عن العلوم التي تدرس، ومعرفة محاورها ومباحثها وسبل التزود بمناهج ضبطها…
  • الرغبة في منافسة أهل العلم والوصول إلى درجة بلوغهم ومستواهم، ولا يتم ذلك من خلال ملء الفراغ بالاعتكاف في العطل عند الشيوخ وقراءة الكتب، بل أقل الأشياء قراءة ذكريات العلماء وسيرهم وأخذ العبر والعظة من تحركاتهم الماضية وأمجادهم العلمية.
  • تلخيص بعض المقروءات التي تعلق بالذهن، أو التي يظن الطالب/ التلميذ أن فيها نفعا سيعود على أمثاله بما يخمر أذهانهم بالعلم والتعلم، ومحاولة تربية النفس على اكتناز مثل هذه المصطلحات، بل الرغبة في تشكيل بنك المصطلحات وتكرارها كلما سنحت الفرصة من أجل إثباتها وترسيخها في الذهن، ومن الأفضل نشر هذه الملخصات في موقع إلكترونية بله مواقع التواصل الاجتماعي، ونشر هذه الفوائد العلمية من وسائل نشر العلم، وتسهيل من صعب عليه قراءة ذلك الكتاب أو المجلة…

• بالنسبة لمن يشتغل في العطل، بالنهار -باعتبار الحالة الوضعية- هناك فرص للعلم وهي أن يملأ وقته بالقراءة، ولو في الفترة التي يمر بها في الشارع، وفي ذلك فؤاد منها:

• أولا نشر ثقافة الكتاب، ومحاربة الجهل المدقع الذي يكسر عزائمنا وهممنا.

• شغل النفس بما يعود عليها بالنفع، بدل التحذلق في أعراض الناس -ولا يخفى على المار من الشارع ما لعرض الأزياء بدون مقابل-.

• تذكير من له هم العلم وتكسير تلك النظرة التي تجعل من العلم وسمة تخلف وجهل.

• اغتنام الوقت الغالي وتقديره والامتثال للحديث “وقتك قبل فراغك”.

بعد استغلال هذه الفوائد من المهم جدا أن يخصص المرء ساعة في المساء بعد صلاة العشاء رفقة صديق من أجل إعطاء خلاصة عن الشيء المقروء، والاجتهاد قدر الوسع في استحضار المعنى الإجمالي، والاستماع كذلك إلى الصديق بنفس الطريق والإدامة على هذا الفعل التعليمي التعلمي، وإني أرى لهذا فوئد منها:

• تدريب اللسان على التحدث.

• إصلاح اللسان من الاعوجاج الخطير.

• الانتباه إلى أخطاء الآخر قصد توجيهها وتصويبها.

• إبداء الرأي والاستدراك على المقروء.

• استنباط الحكم والعلل من أي موضوع -كيفا ما كان-

• اكتساب طلاقة اللسان بالمحاورة والجدال والمناظرة.

• تكوين ملكة الاستماع وحسن الإنصات.

قد تكون هذه أدنى رغبات كل من يخط بيده القلم من الطلبة والمتمدرسين، وإلا هناك مسائل في عصرنا تحتاج إلى تحرير وبحث جاد لإيجاد حل مناسب من نوازل الاقتصاد والتربية والفقه والاجتماع … ولا يمكن أن يتحقق هذا الغرض العام إلا بعد أن تجد الثقافة العلمية سادت مجتمعنا وتغلبت على الكسل الذي كسر فكرنا وعطل أذهاننا.

• وضع برنامج زمني يومي، يتم الاشتغال عليه وفق خطة وتنظيم محدد يحمل في طياته الأهداف والمرامي التي ينبغي أن يتزود بها خلال هذه العطلة المباركة، وبعد ذلك يتم تحديد المادة المرغوب تعلمها، قراءتها أو دراستها، مع نوع من الشدة من النفس ومحاولة إفطامها عن التعطيل والموت البطيء التي يسببه لنا فهمنا الخاطئ للعطل.

• اعتبار أن العطلة فرصة لتدارك الأخطاء التي يقع فيها المرء داخل الحجرة الدراسية أو الفصل الجامعي، والتركيز على مواطن الضعف قصد تقويتها، ومواطن القوة قصد تدعيمها وتتميمها.

عبد الرحمان بنويس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *