عبرة – مختارات من عيون الحكايات


هذه مختارات من قصص الزاهدين وحكايات الصالحين, من كتاب عيون الحكايات لأبي الفرج بن الجوزي, ارتأيت أن أشاطركم أحبتي القراء حكاية مرة بعد أخرى عسى أن ينفعنا الله  بها, وهذه أول جكاية.

عن بشر بن الحارث قال: رأيت رجلا في طريق الشام, وعليه عباءة قد عقدها, فقلت له: رحمك الله من أين جئت؟ قال: من عنده. قلت: وإلى أين تريد؟ قال: إليه. فقلت له: ففيمالنجاة يرحمك الله؟ قال: في التقوى والمراقبة لمن أنت له مبتغي. قلت: فأوصيني. قال: لا أراك تقبل. قلت: أرجو أن أقبل إن شاء الله. قال: فر منهم ولا تأنس بهم, واستوحش من الدنيا فإنها تعرضك للعطب, ثم قال: من عرف الدنيا لم يطمئن إليها, ومن أبصر ضررها أعد لها دواءها, ومن عرف الآخرة ألح في طلبها, ومن توهمها اشتاق إلى ما فيها, فهان عليه العمل.

ثم قال: كيف لو توهمت من يملكها ومن زخرفها ومن قال لها كوني فكانت, وتزيني فتزينت, فالاشتياق إلى مالكها أولى بقلوب المشتاقين, وأطيب لعيش المستأنسين.

ثم قال: قد أنسوا بربهم, فالأمر فيما بينه وبينهم سليم, صافوه بالعقول, ودققوا له الفطن فسقاهم من كأس حبه شربة, فظلوا في عيشتهم أروياء, وفي ريهم عطاشا, ثم قال: يا هذا أتفهم ما اقول, وإلا فلا تتبعني. قلت: بلى رحمك الله إني أفهم جميع ما قلت.

فقال: الحمد لله الذي فهمك, ورأيت في وجهه السرور, ثم قال: خذ إليك, هم الذين لا يملون كاسات تحفه, فالحكمة في قلوبهم سائلة متواصلة, لأنهم الأكياس الذين لم تدنسهم المطامع ولم تقطعهم القواطع, ليوث في تعززهم, أغنياء في توكلهم, أقوياء في تقلبهم, ألين الخلق عريكة وأشدهم حياء, وأشرفهم مطلبا, لا يتطاولون ولا يتماوتون, فهم صفوة الله في خلقه وضياء من خالص عباده, نفعنا الله وإياكم بما علمنا, السلام عليك ورحمة الله.

قال بشر: فطلبت إليه أن أصحبه, فأبى علي وقال: لست أنساك, فلا تنسني, ومضى وتركني.

قال بشر: فلقيت عيسى بن يونس, فحدثته بقصته, فقال لي: لقد أنس بك, وذلك الرجل الصالح, إنه رجل من خيار الناس يأوي إلى الجبل, وإنما يدخل المدينة كل جمعة لصلاة الجمعة, ويبيع في ذلك اليوم حطبا يكفيه إلى الجمعة الأخرى, وعجبا له كيف كلمك, لقد حفظت عنه كلاما حسنا.(عيون الحكايات لابن الجوزي ص: 76 بتصرف).

ذ. منير مغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *