نصـوص الإعجـاز القرآنـي (2) 1


تُعنى هذه الزاوية بجمع ما تناثر من نصوص الإعجاز القرآني في غير مصادره المتخصصة، وما تناثر في هذه المصادر لكن لغير مؤلفيها، كما تُعنى بتصنيفها حسب تاريخ وفاة أصحابها، وذلك خدمة لمكتبة هذا العلم، وفتحا لآفاق جديدة للبحث فيه، ومحاولة لإقامة (الموسوعة التاريخية لنصوص الإعجاز القرآني في التراث العربي).

أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت255هـ)
(1)
«وأما قولهم للنبي : اجعل لنا الصفا ذهباً، فإن الله لا يعطي الناس الأعلامَ على قدْر شهواتهم وامتحانهم وتمنيهم، ولا على سبيل التفكُّه، فإذا لم يُعطهم ذلك على سبيل التفكُّه فإعطاؤهم إياها على سبيل التعنُّت أبعد، ولا يجب ذلك إلا لمن لم يَسمع بآية ولم ير علامةً.
فأما المغموسُ فيها ومن قد غمرته البرهانات فليس من الحكمة تمكين السفهاء من مسألة ذلك، وإنما ينزِّل اللهُ الأعلامَ على قدْر المصلحة لا على أقدار الشهوة، وعلى إلزام الحجة لا على الطلب والمسألة، ومتى كان الطالب لذلك مُعانداً وجاسياً لم يكن إلا بين أمرين، إن جلاها لِعَنَتِه وإجابته إلى مسألته، قال: هذا سِحر، وإن منعها قال: لو كان صادقاً لأتى بها، وآياتُ الله وبرهاناته أجل خطراً من أن تُوضع في هذا المكان، إلا أن يريد الله ببعض ذلك تعذيبَهم واستئصال شأفَتهم، وأن ينكِّل بهم سواهم».
[البرصان والعرجان، ص: 38]
(2)
«وأهلُ الأمصار إنّما يتكلمون على لُغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تَجد الاختلافَ في ألفاظٍ من ألفاظِ أهل الكوفة والبَصرة والشام ومصر.
حدّثني أبو سعيدٍ عبدُ الكريم بن رَوح قال: قال أهل مكّةَ لمحمد بن المُناذِر الشاعر: ليست لكم معاشرَ أهل البصرة لغةٌ فصيحة، إنّما الفصاحة لنا أهلَ مكّة، فقال ابن المُناذر: أمّا ألفاظُنا فأحْكَى الألفاظِ للقرآن، وأكثرُها له موافقةً، فضَعُوا القرآنَ بعد هذا حيثُ شِئتم:
أنتم تُسمُون القِدر بُرْمَة وتجمعون البُرمة على بِرَامٍ، ونحن نقول قِدر ونجمعها على قُدور، وقال اللَّه : وجِفَان كالجَوَابِي وقُدورٍ رَاسِيات (سبأ: 31).
وأنتم تسمُّون البيت إذا كان فوق البيت عُلِّيَّةً، وتجمعون هذا الاسم على عَلالِيّ، ونحن نسمِّيه غرفة ونجمعها على غُرفاتٍ وغرفٍ، وقال اللّه تبارك وتعالى: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيّةٌ (الزمر: 20)، وقال: وَهُمْ في الغُرُفَاتِ آمِنُونَ (سبأ: 73).
وأنتم تسمُّون الطَّلعَ الكافورَ والإغْريضَ، ونحن نُسمّيه: الطَّلْع، وقال اللَّه تبارك وتعالى: وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (الشعراء: 841).
فعَدّ عشر كلماتٍ لم أحفظ أنّا منها إلا هذا…
وقد يستخفُّ النَّاسُ ألفاظاً ويستعملونها وغيرُها أحقُّ بذلك منها:
“ألا ترى أن اللَّه تبارك وتعالى لم يذكُر في القرآن الجوعَ إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدْقع والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السَّغَب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة.
وكذلك ذِكر المطر؛ لأنّك لا تجد القرآنَ يلفظِ به إلاّ في موضع الانتقام. والعامّة وأكثرُ الخاصّة لا يَفصِلون بين ذِكر المطر وبين ذكر الغَيث.
ولفظُ القرآن الذي عليه نَزَلَ أنّه إذا ذكر الأبصار لم يقُل الأسماع، وإذا ذكر سبع سموات لم يقل الأرَضين، ألا تراه لا يجمع الأرض أَرَضين، ولا السمعَ أسماعا، والجاري على أفواه العامةِ غيرُ ذلك، لا يتفقّدون من الألفاظ ما هو أحقُّ بالذكر وأولى بالاستعمال.
وقد زعم بعضُ القرّاء أنّه لم يجد ذكر لفظ النكاح في القرآن إلاّ في موضع التزويج.
والعامّة ربّما استخفت أقلَّ اللغتين وأضعفَهما، وتستعمل ما هو أقلُّ في أصل اللغة استعمالاً وتدَعُ ما هو أظهر وأكثر، ولذلك صِرنا نجد البيت من الشعر قد سار ولم يسر ما هو أجودُ منه، وكذلك المَثل السّائر…
وفي القرآن معان لا تكاد تفترق، مثل الصلاةِ والزكاة، والجوعِ والخوف، والجنة والنار، والرَّغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجنّ والإنس”.
[البيان والتبيين، 1/18-21]
(3)
«ولا بد من أن نذكر فيه [أي: الجزء الثاني] أقسام تأليف جميع الكلام، وكيف خالف القرآنُ جميعَ الكلام الموزون والمنثور، وهو منثور غير مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع، وكيف صار نظمه من أعظم البرهان، وتأليفه من أكبر الحجج».
[البيان والتبين، 1/383]
(4)
«وقد جَعَل اللَّهُ قومَ كلِّ نَبيٍّ هم المبلغين والحجّةَ. ألا تَرَى أنّا نزعُمُ أنَّ عَجْزَ العرب عن مِثل نَظْم القرآن حجّةٌ على العجم من جهة إعلام العربِ العجمَ أنَّهم كانوا عن ذلك عَجَزَة.
وقد قال النبيُّ : «خُصِصْت بأمور: منها أنِّي بُعِثت إلى الأحمر والأسود، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرضُ طَهُوراً»، فدلَّ بذلك على أنَّ غيرَه من الرّسُل إنّما كان يُرسَل إلى الخاصّ، وليس يجوز لمن عَرَف صِدقَ ذلك الرسولِ من الأمَم أن يكذِّبه ويُنكِر دعواه، والذي عليه ترْكُ الإنكارِ والعملِ بشريعة النبيِّ الأوّل. هذا فرق ما بينَ من بُعث إلى البعض، ومن بُعث إلى الجميع».
[البيان والتبين، 3/295]
(5)
«… ولأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه ، ولأن القرآن نطق بفضيلتهم، والله تعالى أعلم بمن بعدهم، والذي جمع أسلافَنا الذين جمعوا الناس على قراءة زيد، دون أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود، والذين رأوا من قول عبد الله في المعوّذتين، وقول أبي في سورتي الحفد والخلع. ومن تعلق الناس بالاختلاف، فكانوا لا يزالون قد رأوا الرجل يروي الحرف الشاذ، ويقرأ بالحرف الذي لا يعرفونه، فرأوا أن تحصينه لا يتم إلا بحمل الناس على المقروء عندهم، المشهور فيما بينهم، وأنهم إن لم يشددوا في ذلك لم ينقطع الطمع، ولم ينزجر الطير، لأن رجلاً من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، لتبين له في نظامها ومَخرجها، وفي لفظها وطبعها، أنه عاجز عن مثلها. ولو تحدى بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها. وليس ذلك في الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين.
ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم، ويَجري على ألسنتهم أن يقول رجلٌ منهم: الحمد لله، وإنا لله، وعلى الله توكلنا، وربُّنا الله، وحسبُنا الله ونعم الوكيل، وهذا كلُّه في القرآن، غير أنه متفرِّق غير مجتمع؛ ولو أراد أنطَقُ الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورةً واحدة، طويلة أو قصيرة، على نظْم القرآن وطبعه، وتأليفه ومخرجه لما قَدَر عليه، ولو استعان بجميع قَحطان ومَعدّ بن عدنان.
ورأوا بفهمهم وبتوفيق الله تعالى لهم أن يحصّنوه مما يشكل، ويمكن أن يُفتعَل مثله من الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين، وقد كانوا عرفوا الابتداع الكثير على البلغاء والشعراء، وخافوا إنْ هم لم يتقدموا في ذلك أن يتطرَّفوا عليه، كما تطرفوا على الرواية، لأنهم حين رأوْا كثرة الرواية في غير ذوي السابقة، ورأوا كثرة اختلافها، والغرائبَ التي لا يعرفونها، لم يكن لهم إلا تحصين الشيء الذي عليه مدارُ الأمر، وإن كانوا يعلمون أن الله بالغُ أمرِه.
فعلى الأئمة أن تحُوط هذه الأمة، كما حاط السلف أوّلها، وأن يعملوا بظاهر الحيطة، إذ كان على الناس الاجتهاد، وليس عليهم علم الغُيوب. وإنما ذلك كنحو رجُل أبصر نبياً يحيي الموتى فعَرفَ صدقه، فلما انصرف سأله عنه بعضُ من لم ير ذلك ولا صحّ عنده، فعليه أن لا يكتمه، وإن كان يعلم أن الله تعالى سيُعلِمه ذلك من قبل غيره، وأنه عز ذكره سيُسمعه صحَّته على حبِّه وكرهه».
[حجج النبوة، رسائل الجاحظ، 3/228-230]

د. الحسين زروق


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “نصـوص الإعجـاز القرآنـي (2)