بنبض القلب – الإبداع،بين الإمتاع والاقتناع


(… يحكي الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، أنه كان يعمل في شبابه بإحدى الفرق المسرحية التي كانت تجوب البلاد لعرض مسرحياتها وفي إحدى جولاته نزل ضيفا على شاعر مغمور، وعندما كان يهم بتوديع أهل البيت، لم تكن فيه سوى أم ذاك الشاعر، فأراد أن يطري على ولدها، لأنه لا شيء يفرح قلب الأم من كلمة طيبة تقال في فلذات كبدها، فقال حمزاتوف للأم:

– إن ابنك شاعر تقدمي جدا، وإنه يكتب دائما في مواضيع الساعة الملحة، فقاطعته بحزن:

– قد يكون ابني تقدميا، لكنه شاعر بلا موهبة، قد تكون أشعاره تعالج مواضيع ملحة، لكنني أشعر بالملل حين أقرأها… حين بدأ ابني بتعلم نطق الكلمات الأولى، لم يكن بالإمكان فهمها، لكنني كنت أسر بشكل لا يوصف، أما الآن وقد تعلم لا أن تتكلم فحسب – وبدأ يكتب أشعارا أشعر بالملل حيال مايكتب، بل أنت تراه حين تجلس إلى مائدة الطعام يتكلم بشكل طبيعي، لكنه في طريقه من مائدة الطعام إلى منضدة العمل، يفقد كل الكلمات البسيطة والطيبة ولا تبقى عنده إلا الكلمات الرسمية الباهتة، المملة …)

هكذا إذن، لن تغني الايديوليجية عن الموهبة، وقبل أن يتخندق المبدع خلف الأقنعة والألوان، لابد من إبراز أوراقه الثبوتية كمبدع وفنان، يملك موهبة فذة، وقدرة على الخيال، وفكرة جديدة، وأسلوبا راقيا يلامس شغاف الروح ويعبر عن كينونة الإنسان.

فالشاعر الذي لا يملك مفاتيح اللغة وشعلة الموهبة، لن تجديه صلابة الموقف ولا جاذبية المواضيع الملحة التي يطرقها، لكن حين تجتمع الموهبة مع قوة الفكرة، يتجلى الإبداع حينها في أبهى صورة، إن الابداع مثله مثل الإنسان يحيى بقوة العاطفة وصلابة الفكرة، أي لابد من ملامسته للجواني والبراني من حياتنا، ولابد للمبدع أن يمتع قبل أن يقنع.

ذ: أحمد الأشهب 

—————

مجلة «العربي» عدد 657، غشت 2013، الصفحة 160، من مقال لجهاد فاضل بعنوان «مع رسول حمزاتوف».

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *