الحسبة في الإسلام


يحرص الإسلام كل الحرص على حماية الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه، عن طريق حمايته لجميع مقوماته المادية والمعنوية، فيحمي نفسه وعقله، ويحمي عرضه، ويحمي ماله، ولذا شرع الإسلام لحماية ذلك كله قواعد ومبادئ ونظما تجلب المصلحة وتدرأ المفسدة ومن بين النظم التي جاء بها الإسلام، والتي أسست على هذه القواعد والمبادئ –نظام الحسبة- فما مفهوم الحسبة في الإسلام؟

1 – هناك نصوص من القرآن الكريم، والسنة النبوية، تدل صراحة على مشروعية الحسبة:

ففي القرآن الكريم قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (آل عمران: 104).

وقوله تعالى: والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر (التوبة: 72)، وقوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله (آل عمران: 110).

وفي السنة النبوية جاءت أحاديث كثير تحث على إقامة نظام الحسبة منها:

قوله : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (رواه مسلم).

وقوله : «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، يفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (رواه مسلم).

و قال  لأصحابه لما سألوه: ما حق الطريق؟ فقال : «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر» (رواه البخاري).

2- إن أول من باشر الحسبة ومارسها عمليا في تاريخ الإسلام هو رسول الله ،

فكان يمشي في الأسواق، وينهى عن الغش والتدليس والتطفيف في الكيل والوزن، عن أبي هريرة ، أن رسول الله ، مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال أصابته السماء يا رسول الله، قال:«أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني» (رواه مسلم) وسار على نهجه أصحابه وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين، وكان عمر بن الخطاب ،  يقوم بنفسه بالمراقبة الفعلية، ويمارس دور المحتسب في الأسواق، فيأمر وينهى، ويجزر المخالفين، ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول: لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى.

3 – للحسبة أركان أربعة هي:

 المحتسب:وهو الشخص الذي يعينه الحاكم ليتولى شؤون الحسبة، وكان يطلق عليه قديما صاحب السوق، لأن عمله يتصل بقضايا السوق، ويشترط فيه أن يكون فقهيا ورعا عفيفا أمينا، له دراية تامة بأحوال المجتمع الذي يعيش فيه.

 المحتسب عليه:وهو من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

 المحتسب فيه:وهو المنكر الموجود الظاهر بدون تجسس.

 الاحتساب:وهو القيام بالحسبة من التغير باليد، أو التغير باللسان، أو الإنكار بالقلب وهو عدم الرضا بالمنكر.

4 – وظائف المحتسب:

تتعدد وظائف المحتسب، فهو يتدخل في شؤون الدين، فيأمر بالمحافظة على صلاة الجمعة والجماعة، وأداء الأمانة، والنصح في الأقوال والأفعال، ويمنع من انتهاك حرمة الصيام بالإفطار علانية في نهار رمضان، كما يراقب المكاييل والموازين، ويمنع التجار من احتكار السلع والمواد الغذائية، وإبرام العقود المحرمة كعقود الربا، والغش في الصناعات والمبيعات، وفي الجانب الصحي فإن المحتسب يمنع طرح الأزبال في الطرقات ويراقب المطاعم ويتأكد من سلامة الأطعمة والأدوات المستعملة في الطبخ.

أما ما يتعلق بالجانب الأخلاقي، فإن المحتسب يمنع النساء من التبرج الفاضح، ويأمر باتخاذ المأزر في الحمامات العمومية، ويؤدب من يتسكع في الأزقة ويشوش على الناس، كما يمنع من الاشتغال بالشعوذة والسحر.

5 – من الفقهاء المسلمين الذين تناولوا نظام الحسبة بمفهومها الشرعي:

أ – الماوردي: هو علي بن محمد بن حبيب الماوردي 364 هـ – 450 هـ أول من عالج وظائف الدولة الإسلامية ونظم هذه الوظائف وقسمها تقسيما قانونيا في كتابه: “الأحكام السلطانية” فهو يرى الحسبة أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وأن كل مسلم يقوم بذلك أصلا. (الأحكام السلطانية ص 227).

ب – الغزالي: هو محمد الغزالي الطوسي النيسابوري 450-505هـ، عرض للحسبة في كتابه: “إحياء علوم الدين” ويقول: “إن الأركان في الحسبة أربعة على الناحية الأدبية والخلقية” (إحياء علوم الدين ص271).

ج – ابن تيمية: هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني 661 – 728 هـ، عالج وظائف الدولة الإسلامية على أنها تيسر للأمة تحقيق مرضاة الله، وهو يقول: “أصل ذلك أن نعلم جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون لدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” (الحسبة في الإسلام ص 4-6).

د – ابن جماعة: هو محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة 639-733هـ، يرى أن النظر في الأحوال الشرعية خمسة أنواع: القضاء والفتيا والحسبة والأوقاف العامة والنظر للأيتام، ويشترط في كل من يلي هذه الأمور عدالة لا يعدل عنها وكفاية لا يجوز الخلو منها” (تحرير الأحكام ص 270).

هـ – ابن خلدون: هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون 732 – 808هـ. يقول عن الحسبة: “أما الحسبة فهي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين يعين لذلك من يراه أهلا له فيتعين فرضه عليه ويتخذ الأعوان على ذلك”. (المقدمة ص225).

6 – إن الحسبة من أهم نظم الإسلام وقواعده التي تهدف إلى نشر الثقة والخير بين الناس وبذلك يسلم المجتمع من المنكرات والبدع فهي صمام أمان المجتمع المسلم بكل أنواعه:

المرئي والمسموع والمقروء والوعاظ وخطباء الجمعة أن يولوا اهتماما كبيرا بقضية الحسبة، لتساهم بدورها في الحفاظ على القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة حتى لا تحتاج هي نفسها إلى حسبة فإذا كانت الوزارات المختلفة في الدولة تقوم اليوم بهذه الوظيفة بشكل أو بآخر فإن نظام الحسبة يظل المنطلق السليم لرقي المجتمع.

قال الله تعالى: الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور(الحج: 39).

ذ. أحمد حسني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *