من آثار اتباع الهدى في القرآن الكريم (تابع) 2


سبق في حلقة متقدمة؛ أن من آثار اتباع الهدى في القرآن الكريم: ضمان الأمن من أهوال القيامة بزوال الخوف مما هو آت، وعدم الحزن على ما فات، وهو ما يدل عليه قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: 38-39)، ونواصل بعون الله تعالى استخلاص ما يفضي إليه اتباع هدى الله  من آثار جليلة علها تكون لنا عونا ودافعا إلى اتباع هذا الهدى وعدم الحيد عنه قيد أنملة، حتى نظفر بما رتبه الله عليه، وما وعد به المتبعين هُداه، ومن ذلك:

الاهتداء بلزوم محجة الحق في الدنيا وعدم الشقاء والعقاب في الآخرة، وهو ما يدل عليه قوله تعالى: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى  (طه: 123).

عن ابن عباس : من قرأ القرآن فاتبع ما فيه هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه الله يوم القيامة الحساب، قال: فذلك قوله: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى.

وعنه  أنه قال: أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضلّ في الدنيا ويشقى في الآخرة.

وقال القشيري في بيان قوله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ…  وترَكَ هواه، ولم يعمل بوسوسة العدوِّ فله كُلُّ خير، ولا يلحقه ضَيْرـ.

وقال الطبري: وقوله: فإمّا يَأْتِيَنّكُمْ مِنّي هُدًى يقول: فإن يأتكم يا آدم وحوّاء وإبليس مني هدى، يقول: بيان لسبيلي، وما أختاره لخلقي من دين فَمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ يقول: فمن اتبع بياني ذلك وعمل به، ولم يزغ منه فَلا يَضِلّ يقول: فلا يزول عن مَحجة الحق، ولكنه يرشد في الدنيا ويهتدي وَلا يَشْقَى في الاَخرة بعقاب الله، لأن الله يدخله الجنة، وينجيه من عذابه.

وقد أضاف الله تعالى (الهدى) إليه  إسناد مصدرية فقال: مِنّي هُدًى،  وأضافه إليه إضافة نسبة فقال: هُدَايَ، تقريرا منه لينبوع الهدى في هذه الأرض وأنه مشكاته الوحيدة التي يستمد منها، وأنه هو الذي يجب اتباعه، فمن اتبع الهدى الوارد من الله على لسان رسله سلم من أن يعتريه شيء من ضلال، أي فلا يعتريه ضلال في الدنيا، بخلاف من اتبع ما فيه هدى بتأويل بعيد وعن ذوق شخصي، فإنه وإن استفاد هدى في بعض الأحوال لا يسلم من الوقوع في الضلال في أحوال أخرى. وهذا حال متبعي الشرائع غير الإلهية وهي الشرائع الوضعية، فإن واضعيها وإن أفرغوا جهودهم في تطلب الحق لا يسلمون من الوقوع في ضلالات بسبب غفلات، أو تعارض أدلة، أو انفعال بعادات مستقرة، أو مصانعة لرؤساء أو أمم رأوا أن من المصلحة طلب مرضاتهم. وحالهم بخلاف حال الرسل الذين يتلقون الوحي من علام الغيوب الذي لا يضل ولا ينسى. وأيدهم الله، وعصمهم من مصانعة أهل الأهواء، وكونهم تكوينا خاصا مناسبا لما سبق في علمه من مراده منهم، وثبت قلوبهم على تحمل اللأواء، ولا يخافون في الله لومة لائم. وإن الذي ينظر في القوانين الوضعية نظرة حكيم يجدها مشتملة على مراعاة أوهام وعادات.

وإن الناظر في أحوال الأمة يرى أنها اتخدت هدىً غير هدى الله منهاجا وطريقا تسير عليه، وهامت على وجهها تبتغي الاهتداء في غير هدى الله، وتنشد الفلاح والنجاح  من غير وحي الله، حتى إذا انتكست وارتكست وحلت بها الويلات؛ راحت تتلمس الخروج من الشقاء، والخلاص من التعاسة، والفكاك من التخبط ومن الضلال في حلول مستوردة، وقوانين وضعية لاشية فيها لشرع الله، فزادت انتكاسا وارتكاسا وشقاء واضمحلالا وترديا.

وإن ترسّم الأمة للهدى الرباني؛ هو الطريق الوحيد لسعادتها الحقيقية، ولفلاحها المنشود، فما من أمة يترسّم أفرادها هدى الله تعالى؛ إلا وجدوا السعادة قد ضربت أطنابها فيهم، وأرخت ظلالها عليهم، وعمهم الرخاء وكثر النماء…والعكس بالعكس كما أخبر به الله تعالى في قوله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا  قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (طه: 124 – 126).

ومعناه متى تنكبوا هدى الله فانحرفوا عن صراط الله المستقيم، واعوجّوا عن هدي الدين القويم، وانتهكوا حدود الله وغشوا محارم الله، ونسوا الآيات البينات، والعظات البليغات التي وعظ الله  بها الأمة… إذا نسوها ورموها وراء ظهورهم وأصبح المجتمع يخبط خبط عشواء في تصرفاته وسلوكه ومعاملاته، عند ذاك تفتح أبواب المشاكل على ذلك المجتمع وتتقاذفه البلايا تترى من كل جهة؛ فيذوق نكد الحياة ومرارتها، وينغص عليه العيش، ويصيبه الشقاء والضنك… ويضرب بسوط عذاب لا شفقة ولارحمة فيه، وتصبح الحياة التي من المفروض أن تكون حياة السعادة والطمأنينة والراحة والدعة والهناء باتباع الهدى، تصبح حياة جحيم لا يطاق وشقاء لا يقاوم باتباع الهوى.

والسلامة من عذاب الله وسخطه في الدارين لا يكون إلا بالتصديق بالهدى واتباعه: وهو ما نجده صريحا في قوله تعالى أمْرا لموسى وهارون عند ذهابهما لفرعون:  فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (طه: 47 – 48).

والسلام يعني السلامة والرحمة على من اتبع طريق الحق و الهدى، وعلى بمعنى اللام وتقديره السلامة لمن اتبع. والمعنى أن من اتبع طريق الهدى سلم من عذاب الله.

فالآية الكريمة تضمنت وعدا من الله تعالى لمتبعي الهدى؛ ممن طلب الحق ورغب في الإسلام، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر…، واهتدى بالآيات البينات التي تهدي إلى الحق، وترشد إلى الصراط المستقيم، وتُمَسِّك بالشرع المبين، وسلَّم بما جاء به كل نبي، واقتفى كل أثر يُبْلغ المراد، وسلك كل طريق يُنِيل البغية… وابتعد عن طريق الغواية والضلال، ونأى عن سبيل الجحود والنكران، وتخلى عن العناد والاستبداد، فلم يتكبر على شرع الله، ولم يتجبر على خلق الله، ولم يتبختر في ملك الله….

فمن كان هذا حاله فهو ممن اتبع الهدى، ومن اتبع الهدى حصلت له السلامة في الدنيا والآخرة، وتحصَّل له الأمن والأمان، والأنس والاطمئنان، وبسطت له السعادة أكنافها، ورفرفت عليه بأجنحتها، فلا يكدر صفو هنائه كدر، ولا يعترِض سبيله خطر.

ومفهوم المخالفة في الآية الكريمة أن من لم يتبع الهدى، لا سلام له، ولا أمن ولا آمان؛ حياته كلها مخاوف، ومفاوزه كلها مهالك، وطريقه كلها مزالق، يبقى يتخبط فيها حتى تَزِلُّ به فيتردى في قرارات لا نهاية لها من العذاب الأليم، وهو ما تُختم به الآية في أقوى عبارة وأبلغ إشارة؛ وذلك قوله الله سبحانه: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (طه: 48)، فمن كذب بآيات الله واتخذها هزؤا، وأعرض عنها ولم يتبعها فله العقاب الشديد، والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.

وبالله التوفيق

د. خالد العمراني


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 thoughts on “من آثار اتباع الهدى في القرآن الكريم (تابع)