عبرة – معي مؤنسي وزادي ورفيقي


عن إبراهيم بن المهلب قال :رأيت بين النعاسة والخزيمية(أسماء أماكن قرب الكوفة) غلاما قائما يصلي قد انقطع عن الناس، فانتظرته حتى قطع صلاته ثم قلت له: ما معك مؤنس؟ قال: بلى. قلت: أين هو؟ قال:أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي وفوقي.
فعلمت أن عنده معرفة فقلت: أما معك زاد؟ قال: بلى. قلت: أين هو؟ قال: الإخلاص لله  والتوحيد له والإقرار بنبيه وإيمان صادق وتوكل واثق. قلت: هل لك في مرافقتي؟ قال: الرفيق يشغل عن الله ولا أحب أن أرافق أحدا فأشتغل عنه طرفة عين فيقطعني عن بعض ما أنا فيه. قلت: أما تستوحش في البرية وحدك؟ فقال: إن الأنس بالله قطع عني كل وحشة حتى لو كنت بين السباع ما خفتها. قلت: فمن أين تأكل؟ فقال: الذي غذاني في ظلم الأحشاء صغيرا تكفل برزقي كبيرا. قلت ألك حاجة؟ قال: نعم، قلت: ما هي؟ قال: إن رأيتني فلا تكلمني ولا تعلم أحدا أنك تعرفني. قلت: لك ذلك، فهل لك حاجة غيرها؟ قال: نعم. قلت: وما هي؟ قال: إن استطعت ألا تنساني في دعائك وعند الشدائد إذا نزلت بك فافعل. قلت: كيف يدعو مثلي لمثلك وأنت أفضل مني خوفا وتوكلا؟ قال: لا تقل هذا، إنك قد صليت لله  قبلي ولك حق الإسلام بمعرفة الإيمان. قلت: فإن لي أيضا حاجة. قال: وما هي؟ قلت: ادع الله لي. قال: حجب الله طرفك عن كل معصية وألهم قلبك الفكر فيما يرضيه حتى لا يكون لك هم إلا هو.
قلت: متى ألقاك وأين أطلبك؟ فقال: أما الدنيا فلا تحدث نفسك بلقائي فيها، وأما الآخرة فإنها مجمع المتقين، وإياك أن تخالف الله فيما أمرك وندبك إليه، وإن كنت تبغي لقائي فاطلبني مع الناظرين إلى الله تبارك وتعالى.
قلت: وكيف علمت ذلك؟ قال: بغض طرفي له عن كل محرم، واجتنابي فيه كل منكر ومأثم، وقد سألته أن يجعل جنتي النظر إليه، ثم أقبل يسعى حتى غاب عن بصري.

ذ. منير مغراوي
(عيون الحكايات لابن الجوزي: 244-243)

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *