عبرة الأمير الفقير


عن مالك بن دينار قال: لما أتى عمر بن الخطاب وفد حمص سألهم أن يكتبوا له أسماء فقرائهم، فرفعوا إليه كتابا فإذا فيه سعيد بن عامر أمير حمص. فقال عمر : من سعيد بن عامر؟ فقالوا: أميرنا.
قال: أميركم؟ قالوا: نعم، فتعجب عمر، ثم قال: كيف يكون أميركم فقيرا؟ أين عطاؤه؟ أين رزقه؟
قالوا: يا أمير المؤمنين، لا يمسك شيئا، وإنه لتمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار. فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته، ثم عمد إلى ألف دينار فصرها ثم بعث بها إليه، وقال: أقرؤوه مني السلام، وقولوا له: بعث بهذه إليك أمير المؤمنين تستعين بها على حاجتك.
قال: فجاء بها الرسول إليه، فنظر فإذا هي دنانير، فجعل يبعدها عنه ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقالت له امرأته: ما شأنك؟ أمات أمير المؤمنين؟
قال:بل أعظم من ذلك.
قالت:أأصيب المسلمون في واقعة؟
قال: بل أعظم من ذلك.
قالت: وما أعظم من ذلك؟
قال: دخلت علي الدنيا لتفسد آخرتي، ودخلت الفتنة في بيتي.
قالت: تخلص منها.
قال: أو تعينيني على ذلك؟
قالت: نعم. فأخذ الدنانير فجعلها في صرر ثم وزعها. (صفة الصفوة 1/372)
هذا والله هو الزهد الحقيقي الذي خلد ذكرهم، ورفع قدرهم، وجعلهم سادة زمانهم، وحق لنا أن نفخر بهم.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وجميل بنا أن تقتدي بهم، فلئن كانوا قد تركوا المباحات وزهدوا فيها، فلنترك المحرمات وما قبح من الشهوات، والفواحش ما ظهر منها وما بطن أولا، فإنها بداية الطريق إلى الله . والله الموفق والمستعان.

منير مغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *