خطبة منبرية – مـرحـبـا بـك يـا رمـضـان


الخطبة الأولى:

إخوة الإيمان :

كم من الأيام مضت، وكم من الليالي انقضت، وكم من السنوات مرت، وكم عجلة الزمان دارت، وكل ذلك من عمرك ينقص ويزول أيها الإنسان، وأنت في غفلة وغفوة، تضيع في زحمة الحياة وظلماتها، وتتيه في دروب الدنيا وفتنتها، وتنشغل بمتاعها، وتنبهر بزخرفها، وتفنى في جمع حطامها، تقتني من الماديات وتشتري من الكماليات، وتعتني بالشكليات، وتتعب وتجد، وتشقى وتكد، وتجهد في تكوين الأجسام وتنمية الأبدان، لكن كثيرا ما تنسى نفسك وتهمل روحك، فلا تمنحها حظها من التربية ولا نصيبها من التزكية، و فجأة تنطفئ شمعتك وتغرب  شمسك، ويسود الظلام، فتخرج الروح من الجسد وتتوقف الحركة وتنتهي الحياة، ويموت الإنسان وقد ضيّع عمرا طويلا، وفوّت خيرا كثيرا، وفضلا كبيرا دون أن يدري أن كل سنة لها قيمتها، وكل شهر له مكانته، وكل يوم له قدره، وكل لحظة لها ميزتها وخاصيتها، وليست السنوات  متشابهة، ولا الأشهر متكررة، ولا الأيام رتيبة، ولا يعلم حقيقة  ذلك إلا المؤمن  الذكي والمسلم الفطن الذي  حباه  الله عز وجل  بيقظة في الضمير وحياة في القلب، وصفاء  في النفس، وطهارة في الروح، حيث يعيش حياته وهو يتشوف دائما إلى التعرض لنفحات الله الكريم، ويتشوق  باستمرار الى استقبال الأيام المباركة والليالي الفاضلة والشهور الكريمة واللحظات العظيمة  مع الاستعداد التام والتهييء الكامل لكي يحظى  بالنجاح  والفوز والفلاح.

عباد الله،  إن  فجر شهر رمضان قد قرب  بزوغه، وإن هلاله قد دنا  ظهوره، فما  هي الخطوات التي  تساعدنا على استقبال أيامه، واغتنام أجره وثوابه؟

إن أهم استعداد لهذا الشهر هو الشوق لنفحاته الدينية، والتطلع لنسماته الروحية،  لذلك  يحسن  بالمسلم  أن يسال الله عز وجل في  كل وقت و حين بأن يبلغه رمضان  وهو  في  صحة وعافية، فقد روي عن النبي [ قوله: «اللهم  بارك  لنا  في  رجب  وشعبان وبلغنا رمضان» فإذا دخل  شهر رمضان دعا  المسلمُ ربَّه أن يدخله عليه وعلى الأمة الإسلامية جمعاء بالأمن والأمان والسلم والسلام، وأن يوفقه  لصيامه وقيامه، وأن يجعله مغفرة لذنوبه وآثامه، وشفاء لعلله وأمراضه وأسقامه.

وإذا دخل رمضان على المسلم  وهو حي  يرزق  فتلك منحة إلهية  كبيرة  ومنة ربانية عظيمة وهبة  كبيرة  تستحق الشكر والثناء. فأما مظاهر هذا الشكر وتجليات هذا الثناء فيبدو عند العبد المؤمن في مزيد من الاجتهاد في الطاعات، وتسابق إلى الخيرات، ومسارعة إلى القربات، وحرص على الأجر والثواب والحسنات، وتطلع  إلى المغفرة والرحمات وفسيح  الجنات.  فإذا  وفق  العبد  المؤمن إلى  الصيام والقيام والطاعة  كما  ينبغي، فذلك أيضا يستوجب الاعتراف بكرم الله وفضله  وإحسانه فيزيد المؤمن في الشكر على توفيق القلب وقدرة الجسد ومطاوعة الجوارح لأداء أنواع الطاعات وأشكال  العبادات.

وأذا كان شهر رمضان هو شهر الخيرات وموسم الرحمات حيث يزداد فيه الأجر ويعظم الثواب وتضاعف الحسنات، فمن الطبيعي أن يفرح المؤمن لبشائر إطلالة هذا الشهر العظيم ويبتهج  لمقدمه وبزوغ فجره، مصداقا  لقوله تعالى: “قل بفضل الله وبرحمته  فبذلك فليفرحوا هو خير مما  يجمعون”.

ثم إن شهر رمضان هو محطة تربوية ودورة تدريبية: فيه يقوي المؤمن صلته بالله تعالى، ويجدد إيمانه، وفيه يسمو المسلم بروحه ويعزز تقواه، وفيه يتعلم الصبر على الطاعة والابتعاد عن المعصية والإقبال على الله عز وجل في كل وقت وحين، لذلك ينصح المسلم  بالتخطيط المسبق للاستفادة من فضائل شهر رمضان وتحقيق أقصى المكاسب الروحية فيه عبر  برنامج يومي ينظم من خلاله مواقيت الطاعات والعبادات، فيعاهد نفسه على الالتزام بها  والسير عليها طيلة هذا الشهر العظيم، كي تعلو همته وتقوى عزيمته، ويثبت الأجر إن  شاء الله تعالى.

وحيث إن الإنسان معرض للزلل حيث يصيب تارة ويخطئ تارة  أخرى مهما بلغت درجة إيمانه، فانه يتعين عليه أن يستقبل رمضان وكله عزم وإرادة  على ترك المعاصي والإقلاع من الذنوب توبة  صادقة لا دعوة ولا رجوع كي يتوب الله عليه ويخرج من رمضان نقيا تقيا  طاهرا صافيا  كيوم ولدته أمه. وما دام في الجسد نفس وفي القلب روح، فإن الأوان لم يفت على التوبة النصوح، وإن المسلم لا ينبغي أن يتضايق من أخطاء الماضي وان لا يحزن على سقطات الأمس وهفواته وعثراته فالأخطاء كثيرا ما تلقن لمرتكبيها دين النجاح، والسقطات تعلم صاحبها فن النهوض، لذلك على المسلم أن يستقبل نفحات شهر رمضان لبدء صفحة جديدة طاهرة ونقية مع  الله  أولا ومع نفسه ثانيا، ومع أهله ثالثا، ومع من حوله من الناس رابعا.

فاللهم ألهمنا رشدنا، ونعوذ بك من شرور أنفسنا، وبارك اللهم لنا فيما تبقى من شعبان، وبلغنا اللهم شهر رمضان غير فاقدين ولا مفقودين.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله …

إن المسلم الحق هو الذي يعبد الله على علم ومعرفة ويقين، لذلك على المؤمن أن  يستقبل  رمضان ويستعد له بمعرفة شروطه وأحكامه وموانعه وغيرها من المسائل الفقهية  المتعلقة به حتى لا يخطئ في جنب الله وهو غافل أو يعصيه من حيث لا يدري، فمصادر العلم في زمننا  كثيرة و  ينابيعه  في  عصرنا  غزيرة، وقد أوصانا الحق تعالى بالتفقيه في أمور ديننا  فقال:  {فاسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.

وشروط الصيام تنقسم إلى ثلاثة أنواع:

شروط وجوب: وهي البلوغ والقدرة والإقامة؛ فالصبي لا يجب عليه الصوم، والكبير  أو  المريض لا حرج عليه إذا عجز عن الصيام والمسافر له أن يفطر ويقضي.

شروط  صحة وهي: النية  المبيتة من الليل، والتمييز، والزمان القابل للصوم، فلا يصح الصوم دون أن ينوي الإنسان بذلك قبل طلوع الفجر ولا يصح الصوم دون أن  يميز الصائم مقصد هذه  العبادة ومعناها، ولا يصح الصوم في الأيام المحرمة كيوم   العيد مثلا.

شروط الوجوب والصحة معا وهي: الإسلام والعقل والطهارة من دم الحيض والنفاس، فصوم الكافر غير مقبول، والمجنون مرفوع  عنه  القلم حتى يعقل، والحائض والنفساء يحرم  عليهما الصوم ويجب عليها القضاء .

و للصيام ركنان أساسيان يحميان بنيانه الروحي العظيم من الانهيار، ويحفظان مقاصده  الدينية الجليلة من الزلل، وبدون هذين الركنين معا لا يصح الصوم أبدا، ولا يثبت أجر  الصائم، فالركن الأول هو النية أي عزم القلب على الصوم امتثالا لأمر الله عز وجل  وتقربا إليه، أما الركن الثاني فهو الإمساك  ومعناه الكف عن الشهوات والمفطرات  بجميع أنواعها من أكل وشرب وجماع والفاظ بذيئة وخصومات  وذلك من طلوع الفجر  إلى غروب الشمس.

وقد اتفق أهل العلم أن الصيام يبطل بأشياء كثيرة متعددة نخصها في ستة أمور مهمة وهي: الأكل والشرب أثناء الصيام ثم القيء عمدا، والوطء خلال النهار والاستمناء والحيض أو النفاس والنية الجازمة بالإفطار أثناء الصوم وإن لم يتبعها تطبيق عملي. فهذه أمور من الضروري معرفتها قبل الشروع في الصيام.

فاللهم يا فارق الفرقان ومنزل القرآن، يا خالق الإنسان وعالم السر والإعلان، بارك  اللهم لنا وللمسلمين في صوم شهر رمضان، وأعنا فيه وفي غيره على الصيام والصلاة  والقيام والإنفاق والجود والعطاء، والصبر والتحمل ومعاملة الناس بالحسنى، والذكر والدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن، واقطع عنا حزب الشيطان وزحزحنا عن النيران، واُمنن علينا بالتوبة والغفران والقبول والرضوان وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأصلحنا اللهم بفضلك وجودك وكرمك وإحسان لطفك يا ذا الجلال والإكرام بمنك وأصلح  لنا أزواجنا وذريتنا….

 

ذ. إدريس اليوبي

 

 

 

 

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *