شــؤون صـغـيــرة – مفاتح الفراشة (2)


مفتح الحواس الخمس:
إذا سألت شخصا عن عدد الجهات؟ بادر إلى القول: إنها أربع… ألا يتحدثون عن الجهات الأربع، والرياح الأربع؟ ويستوي في ذلك العامة والخاصة، ولا يفطن إلى ما سوى ذلك إلا خاص الخاص. وها هو شاعر ناقد يكتب عن (وردة الحب في زمن الحرب)(1) فيقول: «زمننا المطوق بالنيران من جهاته الأربع». وإذا سألت عن الجهات الأربع أجابك بعضهم: «إنها الشرق والغرب والشمال والجنوب»، وقال بعضهم: «اليمين واليسار والأمام والوراء»، وربما تنبه بعضهم فقال: بل هي ست. إنها الأمام والوراء واليمين واليسار وما فوق وما تحت. ويكون في ذلك صادقا، كما أن الأوائل لم يخطئوا، لأن الناس يتعاملون -أكثر ما يتعاملون- مع تلك الجهات الربع، وقلما يلتفون إلى ما/من فوقهم وما/من تحتهم. ولكن الشاعرة تخالف هؤلاء جميعا، وتقول شيئا مخالفا تماما، عندما تجعل الجهات خمسا، فتقول:
أضاء كلّ جهاتي
الخمسِ
فانوسي
وحين لحتُ
تعمّى كل مأنوسِ
في هذا المقطع الأول، الذي هو بيت شعري خليلي، إذا نظرت إليه عروضيا، إلا أنه مقطع شعري كامل إذا نظرت إلى دلالاته وآفاقه الرحبة التي يفتحها أمامنا، يكمن المفتح الأول للنص. إن هذا المقطع يفاجئنا بأمور، أهمها الجهات الخمس، ولكن فيه أيضا هذا التدافع بين العمى والبصيرة، وضمير المتكلم الذي تنسب إليه الشاعر كل تلك القوة الخارقة. فما الجهات الخمس؟ وما هذا الفانوس العجيب الذي صار قادرا على أن يضيء تلك الجهات؟ وكيف يتعمّى كلّ مأنوس حين تلوحُ؟ أليس من المفروض أن يتأنس كل معمّى، كما يحدث للكون عندما يلوح القمران، بدلا من أن يُعمّى كلّ مأنوس؟
لابد لنا إذن من التأويل، والتأويل لابد من أن يستند إلى المنطق، لا إلى مجرد تخمين وظن، لأن الظن لا يغني من الحق شيئا.
وهنا لابد من الاستئناس بالمنهج الحضاري الذي يدلنا على انتماء الشاعرة إلى حضارة القرآن، وهذا الانتماء هو ما يحدد لنا مرجعيتها. ولا يعني هذا أن الشاعرة منغلقة على الثقافات الأخرى، فهذا لم يكن أبدا من سمات حضارتنا التي تدعونا إلى طلب العلم ولو في الصين، ولكنه يعني أن المنهل أولا هو من هذه الحضارة، ثم لنا أن نستعين بعد ذلك بما سواها كما نشاء. ولأن الشاعرة قرآنية المنزع فإن علينا أن ننظر أولا في القرآن الكريم، وآنذاك سنجد أن القرآن الكريم وحده، دون سواه، هو من يسعفنا في فهم معنى أن تكون الجهات خمسا، في سياق معين، وذلك السياق هو الذي يحدد طبيعة تلك الجهات ودلالتها، لا الجغرافية، بل الروحية والنفسية والأخلاقية. يقول تعالى حكاية عن إبليس، في معركته مع بني آدم: {قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين}(الأعراف:18). ستقول: إنها أربع، فلا هي بالخمس ولا بالست. ولكن لنسأل: لماذا لم يذكر الفوق والتحت، وهما جهتان؟ والجواب هو أنه لم يذكر الفوق لأن الفوق محفوظ بعناية الله تعالى، فليس لإبليس أن يدخل بغوايته منه إلى الإنسان. وأما التحت فهو وإن كان مرتبطا بالطين، إلا أنه موطن الصراع، فإذا أخلد الإنسان إلى الأرض واتبع هواه صار هذا الجزء مظلما، وصار الإنسان من «العبيد «، ووجد الشيطان مداخله منه. وأما إذا سعى إلى أن يتحقق بالعبدية لله عز وجل، وذلك بالسجود لخالقه، صار من «العباد»، وضيّع على إبليس خطته ومراده، وشتان ما بين «العبيد» و»العباد». وهكذا فإن الشاعرة قد استطاعت أن تغالب الشيطان في الجهات الخمس، وهي مكلوءة من الله تعالى من الجهة الفوقية التي هي الجهة السادسة، الجهة التي هي مضيئة أصلا بنور الله، فلا تلحقها ظلمة، فساغ للشاعرة إذن أن تقول:
(أضاء كلّ جهاتي
الخمسِ
فانوسي)
فصارت مضيئة متوهجة، بعدما استعاذت بالله من نزغات الشيطان وظلماته. فإذا ارتقت الذات إلى هذه الدرجة صارت قادرة على الفعل، «رُبّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره»، وآنذاك يصبح لضمير المتكلم معناه، الذي لا يتصل بالنرجسية، بل بقوة الفعل، ويصبح ذلك الفانوس هو الذات نفسها، ولكن بعد تحررها من أوهاق المادة، وأوزار الطين، فيصبح للذات آنذاك أسرارها التي شرحها محمد إقبال في «أسرار خودي»، أي إنها ليست ذاتا فردية، بل هي ذات الأمة التي أرادها الله تعالى بالاصطفاء أن تكون خير أمة أخرجت للناس، وأن تقوم برسالة الشهادة على الناس.
(وحين لحتُ
تعمّى كلُّ مأنوس).
هي شمس كانت غائبة قبل أن تتطهر وتضيء جهاتها الخمس، وها هي الآن -بعد التطهر والإضاءة- تلوح .. تومض ..تشرق.. وأول من يستفيد من ضوئها الذات.. تماما كما حدث مع ابن خفاجة:
فما لحتُ في أولى المشارق كوكبـــاً
فأشرقت حتى جئت أخرى المغارب
والعلاقة بين الشاعرين هنا علاقة رمزية، حيث إن الشاعر الأندلسي يتحدث عن رحلة العمر القصيرة، حيث إنه مثل النجم، ما يكاد يشرق في جهة حتى يغرب في جهة أخرى. والشاعرة حين تلوح شمسها فلكي تنتقل من مرحلة إلى أخرى، مرحلة الانتقال من النفي إلى الإثبات، ومن الشك إلى اليقين. وآنذاك (تعمّى كل مأنوس) مما كان مشهودا شهادة العين، ليحل محله ما صار مشهودا شهادة القلب، وهي حالة تكاد تشبه حالة البعث: {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}، إلا أن المومن يتكشف له في هذه الدنيا من الحقائق ما لا يتكشف لغيره.

يلتقطها د. حسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *