خطبة منبرية – خطبة عـن السـحـر والشـعـوذة


الخطبة الأولى:
…..أيها المسلمون:
سر من الأسرار، وعالم غريب الأطوار، مرض خطير وشر مستطير، وداء من أدواء الجهل قديما، ومشكلة من مشاكل العصر حديثا، درج فيه الرجال والنساء، ووحل فيه الفقراء والأغنياء، حتى أصبح خطرا على العقيدة، ومعولا هادما للفرد والأسرة والمجتمع، وإن المرء ليعجب ممن عرف ربه وصح إيمانه وصدق توكله، وتحقق توحيده، كما يعجب من عصر يوصًف بالتقدم العلمي ويومن بالعلم التجريبي، ويتسم بالتطور في اكتشاف الأدوية العضوية والنفسية، ينتشر فيه مثل هذا الوباء، وتسود فيه هذه الخرافات والخزعبلات.
ذلكم –عباد الله– هو داء السحر، ومرض الكهانة، وممارسة الشعوذة الذي انتشر في المجتمعات العالمية، غنيها وفقيرها، متطورها ومتخلفها.
أيها الإخوة:
إن ممارسة السحر والوقوعَ في براثنه ظاهرة اجتماعية وآفة كونية هادمة للخلق والدين، لها دوافع وأسباب، توقع أصحابها في شراك السحرة والكهنة والمشعوذين، وتورثهم الأمراض والهلوسة والانحراف، كما أنها تصرفات ينطلق أغلبها من ضعف الإيمان، وعدم اليقين والثقة في الله وقضائه وقدره. أو من الحسد والحقد المتبادل بين الناس. فهناك من يلجأ إلى السحر والتكهن والشعوذة، طلبا للحظ وحسن الطالع، أو دفعا لما يتوهمه من دسائس وعراقيل في طريق مشروعه واستشراف مستقبله. أو استطلاعا لما يخبئه الدهر ويواريه الزمان. وهناك من يقع في براثن السحر والشعوذة بقصد الانتقام من أحد الخصوم لنزاع حصل بينهما، أو بدافع الحسد لإزالة نعمة حصل عليها جاره أو قريبه أو منافسه، أو بدافع الغيرة وحب الذات التي تكثر في صفوف النساء خاصة. حيث تلجأ إحداهن إلى الساحر ليصنع لها سحرا، يمنع الزوج من زوجته ويربطه عنها فلا يستطيع جماعها، وينفر منها فلا يقبل الحياة معها، بل قد يفارقها ويهدم صرح الأسرة كله. كما قد يكون الدافع حب المرأة لزوجها وتعلقها به، وخوفها من زواجه بغيرها. فتلجأ إلى الساحر ليصنع لزوجها سحرا يُعطِف قلبَه عليها ويصرفه إليها.أو يمنعه من الالتحاق بغيرها، ولو أدى ذلك إلى مرضه أو قتله. كما يلجأ إلى السحرة بعض الرياضيين والتجار والسياسيين بحثا عن الانتصارات الزائفة والبطولات الفارغة والصفقات المربحة والمكتسبات الخداعة.
وقد يذهب البعض إلى السحرة والدجالين من غير قصد، ظنا منه أنه طبيب، أو شخص له بركة وفضل، أو طبيب شعبي صادق، أو راق تقي صالح، فيعرض عليه أمره ويبوح له بأسراره جهلا منه وغفلة. وكلها تصرفات غير مشروعة وممارسات مشبوهة لا يليق بمن يومن بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقضاء والقدر إيمانا واحتسابا – لا يليق به- أن يقع في هذه المخالفات، أو يمارس هذه المحرمات.
ولنعلم إخوة الإيمان أن السحر ناقض من نواقض الإسلام، وطريق من طرق الكفر والإلحاد المُورثة صاحبها الخلود في النار. فمن تعاطى السحر أو عمل به أو صدق ممارسيه فهو كافر بالله، مرتكب لإحدى الكبائر الموبقة المخلدة صاحبها في النار. وهذا ما قرره القرآن الكريم لما قال واصفا الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم بأنهم اتبعوا ما تلته الشياطين على ملك سليمان الذي لم يكفر بالله، وإنما الشياطين هي التي كفرت بتعلمها وتعليمها السحر للناس. قال تعالى: ولما جاءهم رسول من عند الله مصدقا لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت…}. فالآية تخبرنا أن الذي يُعلم الساحرَ السحرَ، هم الشياطين، ولا يتمكن الساحر من ذلك حتى يكفر بالله العظيم، ويستعين بالشياطين من دون الله. وقد تواتر النقل بالاستقراء والتجربة والمشاهدة، في إثبات العلاقة والتبعية والانقياد والعبودية بين السحرة والشياطين. وهو ما حذر منه الحبيب المصطفى لَما عد ممارسة السحر والتصديقَ به ثانيَ موبق بعد الشرك بالله تعالى. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا يارسول الله وما هن؟ قال الشرك بالله والسحر….». كما أخبر أن قاصدَ الساحر والعراف والكاهن مخلد في النار. أخرج ابن حبان والإمام أحمد وغيرهما عن أبي موسى الأشعري أن النبي قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة، مدمن خمر وقاطع رحم ومصدق بالسحر).
نعم، قد لا يفرق الناس بين ممارسة السحر والشعوذة، وبين من يمارسون الرقية الشرعية الثابتة عن النبي . لذا وضع العلماء بعض المميزات لكل منهما، من ذلك: أن الساحر عادة ما يسأل الإنسان الذي قصده عن اسم أمه غالبا، واسم أبيه أحيانا. كما يطلب منهم الإتيان ببعض البخور والأحجار والأتربة وممتلكات من يريد إيقاع السحر له، كأن يطلب جزءا من ثوبه أو حذائه وما أشبه.
وللساحر علامات يعرف بها زيفه وكذبه، ويفتضح بها زوره وبهتانه. منها ظلمة في وجهه، وقبح في هيأته، ونتن في رائحته، واستهتار بالمقدسات الدينية، كأن يكتب حرزا بالدم أو النجاسة، ويطلب من المريض إحضار ميتة أو جيفة، أو حيوان نادر أو منقرض. ناهيك عن ارتكابهم الفواحش والمنكرات، من اطلاع على العورات وممارسة الزنا والشهوات، كل ذلك والقاصد/ الزبون المغفل مستسلم طيع. باذل ماله وعرضه بالمجان في حالة غيبوبة لا يعي ما يفعل به، ولا يميز ما يحاك له.
وحتى يوهمَ الساحرُ قاصديه بصدق ما يقول وصحة ما يفعل، ومشروعية ما يرتكب من المنكرات، فإنه عادة ما يبدأ بسرد معلومات عن المريض الذي بين يديه، إما توقعا منه، أو بناء على معلومات تلقاها من شياطين الإنس أو الجن، أو تعميما مما هو حاصل وسائد في تلك البيئة التي يعيش فيها ذلك المريض. وذلك ليوهمه أنه على علم بما حصل له، وقادر على إزالة ما حل به.
فيخبر المريضَ باسم أمه وأبيه، وتاريخه مع المرض ورحلاته فيه، وما ينتظره من شفاء وقوة وصلاح إن هو اتبع تعاليمه ونصائحه، أو من ضرر وضياع وهزال إن هو أعرض عنه أو فرط في تطبيق تعاليمه. كل ذلك والمريض – وربما أقاربه أيضا- مشدوهون لما يسمعون، وذاهلون لما يخبرهم به من خزعبلات صَورَها لهم أنها حقيقة. فتجدهم جميعا قد حملقوا بأعينهم، وفغروا أفواههم، وظنوا أنهم بين يدي من يعلم الغيب ويكشف المستور، وأنهم قد فازوا بالتعرف على ولي من أولياء الله الذي لا يأتي به زمان، بل وربما يعتقد بعضهم أن ذلك معجزة إلهية ومكرمة ربانية ظهرت على يد ذلك الشيخ الفاضل، خصوصا عندما يتظاهر أولئك الخداعون أمام الناس بالصلاح والتقوى، وينطقون بالآيات والأحاديث والحكم، وما درى المساكينُ أنهم سقطوا قي يد طاغية مجرم، ووقعوا في كماشة أفاك أثيم، الذي كفر بالله وآمن بالطاغوت، وعصى الرب وأطاع الشيطان.
اللهم إنا نسألك إيمانا ينير سبيلنا، ويقينا يهدي قلوبنا، وتوبة صادقة تصلح بها أحوالنا، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، بالمعروف آمرين، وعن المنكر ناهين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
أيها المسلمون:
ليست المشكلة في وجود السحرة والدجالين والمشعوذين في المجتمعات، بل المشكلة في من يذهب عندهم ويصدقهم فيما يقولون، ويومن بما يخادعون، وكلا الفريقين آثم، سواء كان مرتكب السحر والشعوذة، أم قاصدا لهما وذاهبا عندهما، وفي هذا وردت أحاديث زاجرة، وعقوبات قاسية منها: أن الله تعالى لا يقبل صلاة من ذهب عند الساحر وصدقه أربعين يوما. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن بعض أزواج النبي رضي الله عنهن، عنه قال: “من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة”. بل يعتبر كافرا إن صدقه فيما يقول عملا بالحديث الذي أخرجه أبو داود والإمام أحمد وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله :” من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد”. قال بعض أهل العلم: إن من ياتي كاهنا فيسأله وإن لم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما. وإن سأله وصدقه بما يقول فهو داخل في حديث: “فقد كفر بما أنزل على محمد .
ثم إن الذهاب عند أولئك السحرة سواء صدقهم أم لا دليل على:
1 – الجهل بالشرع وأحكامه، وإلا فكيف يذهب إلى هؤلاء الدجاجلة من يخشى على نفسه في دينه، ويخشى أن ترد صلاته وطاعاته وترفض قرباته وحسناته.
2 – قد ينتقل الذاهب إلى السحرة ومصدقهم من درجة عدم قبول العمل إلى درجة الكفر والخروج من الملة.
فلماذا تذهب عندهم أخي المسلم، إن ذهابكَ لدليل على عدم ثقتك ويقينك في الله عز وجل واختياره لك.
3 – الغفلة عن ذكر الله وعدم التحصن بما ورد في الأدعية المأثورة، مما يجعل البيوت مرتعا للشياطين، وميدانا للمردة الملعونين، وإلا لو تحصنتَ أخي المؤمن بما أمرك الشرع أن تتحصن به ما ضرك من الشيطان وجنده شيء، ولا لحقك من الخصوم ومساعديهم سوء ولا مكروه.
لذا اتقوا الله عباد الله، وآمنوا به واعتمدوا عليه، وتواصُوا بالحق وتواصوا بالصبر، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.

د. محمد الكدي العمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *