خروق في سفينة المجتمع 53 ـ التمييز ضد المرأة


إن قراءة متتبعة في مسار هذه الضميمة الاصطلاحية عبر تخلقها في ردهات الأمم المتحدة منذ 1948 إلى الآن، مرورا بما أطلق عليه «عقد الأمم المتحدة للمرأة» (1976 – 1985)، والذي اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة خلاله اتفاقية القضاء على مكافحة أشكال التمييز كافة ضد المرأة المتعارف عليها بالسيداو، تكشف عن كون جوهر القضية يكمن في مطلب المساواة بين الرجل والمرأة، حتى لا يفوت ذاك هذه ولو بقلامة ظفر في أي مجال أو ميدان. فلقد أصبح واضحا من خلال المعارك الضارية والمستميتة التي خيضت حول القضية منذ حوالي سبعة عقود من الزمن بأشكال متعددة ومتنوعة، أن المرامي البعيدة لهذه الحركة الجامحة والمحمومة، تتجاوز كونها مرامي إنسانية واجتماعية إلى كونها مرامي تستبطن معنى آخر ومقصدا آخر، يعبر عن رؤية فلسفية لم تعد تخفى على أي لبيب عارف بطبيعة الصراع الحضاري في العالم خلال الأزمنة الحديثة والمعاصرة، والتحولات الناجمة عنه على مستوى الأفكار والقيم: إنه مقصد عنادي مشاكس، يتمثل في الكفر جملة وتفصيلا بالرؤية المخالفة التي يعبر عنها الدين تجاه الرجل والمرأة، وما هو منوط بكل منهما من وظائف وأدوار في سياق العمران الإنساني، بما يحقق الأمن والسلام، وجميع غايات الاستخلاف بشكل عام.
وإن الذي يؤكد هذه الحقيقة هو أن الممارسات الظالمة المتمثلة في الثالوث المدمر والمهين (الفقر والجهل والمرض)، فضلا عن سياط الإهانة والاستعباد، لم تكن لتخص النساء دون الرجال، وإنما هي كانت وما تزال تلف بأجنحتها السوداء الجميع دون استثناء، بغض النظر عن اختلاف أو تفاوت المعطيات الإحصائية المتعلقة بهذا الجنس أو ذاك، وتلك مسألة أخرى لا علاقة لها بجوهر القضية. ويحضرني هنا مثال صريح يبرهن على صحة الأطروحة التي نحن بصددها، على مستوى المجتمع المغربي، مثال جاء على لسان نساء ينتمين لأحد التنظيمات التي تندرج تحت لافتة اليسار، فقد «أجمعت متدخلات في ندوة، نظمت أخيرا بمراكش (…) على أن «تحرير المرأة من وضعها اللاإنساني بالمجتمع، وتحقيق كرامتها كاملة، رهين بتأسيس نظام سياسي أساسه ملكية برلمانية، باعتبار أن هذا المدخل جوهري، وأكثر قوة من الجانب الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، لأن هذا النظام يحد من سلطات الملك»(…) «وعابت المتدخلات خلال ذات الندوة، «الازدواجية التي تعيشها الدولة المغربية، في مقاربتها للتشريع للمرأة بين مؤسسات ديمقراطية، ومجالس علمية دينية، وتحكيم ملكي، كما تجلى ذلك في مشروع مدونة المرأة، التي لن تتحقق كرامتها إذا لم تشكل المواثيق الدولية أساس التشريع المغربي» ( هسبريس 10 ـ 3 ـ 2015).
فالمسألة إذن ليست مسألة حيف يزاح عن كاهل النساء، يتعلق بكل الحقوق الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها مما كفله دين الإسلام للمرأة كما للرجل سواء بسواء، وإنما هي مطالبة بتمتيع المرأة بتلك الحقوق وزيادة، لا تحت مظلة الشريعة الإسلامية السمحاء، وقيمها الغراء، وإنما تحت مظلة المواثيق الدولية وقيمها الكونية، يعبرن عن ذلك بكل بجاحة داخل مجتمع مسلم، وبدون أدنى وازع من حياء.
هي مطالبة لا بالعدالة، وإنما بالمساواة -وليس المقصود هنا المساواة في الإنسانية- التي بمقتضاها لا يكاد يضع الرجل قدمه في محفل أو ميدان، في بر أو بحر أو جو، حتى يجد المرأة بجانبه، لا فقط لتسابقه، بل ولتسبقه وتبزه وتتجاوزه، فتلك أغلى الأمنيات، وأسعد الغايات، وللحقيقة لا بد أن نقول متسائلين: هل تتبنى هذا المطلب جميع النساء، وهل تجسر النسوانيات على الزعم بأنهن لسان حالهن؟ أم أنهن يمثلن الشذوذ عن الفطرة التي أصبحنا نلحظ بذورا وإرهاصات للعودة إليها، ممن تربين في حجورهن وجحورهن ورضعن من لبانهن هناك وراء البحار؟
إننا بمنطق السفينة لا بد أن نفهم مقولة «التمييز ضد المرأة» لا وفق المواثيق الدولية وقيمها «الكونية»، وإنما وفق منظور مخالف، يتعلق بالتنكر للمرأة أم البنين والبنات التي تصل الأيام بالليالي لإعداد الأجيال العتيدة التي تحفظ الفطرة، وتذود عن ميراث الحضارة والقيم الأصيل، المرأة التي ترعى الحمى وتذب عنه اللصوص من فساق الثقافة وعبيد الهوى والشيطان، والتي لولا جهادها واستماتتها وجلادها لتخطفتنا الشياطين، ولأكلتنا الذئاب منذ زمان. وإني لأذكر في هذا المقام المفكر البوسني المسلم، المجاهد والرئيس الفذ الأستاذ علي عزت بيغوفيتش رحمه الله الذي استغرب في أحد مقالاته مسلك الحضارة الغربية التي تحظى فيها مربية الأرانب والخنازير بأجر جزيل على اعتبارها موظفة منتجة، أما التي تنجب الرجال والنساء، وتتعهدهم بالتربية والتهذيب، فهي معدودة من العاطلين. وأستنكر في هذا السياق صنيع الإدارة عندنا التي جعلت الناس يقبلون راغمين تسمية قطاع أغلبي عريض من النساء باسم غريب» : «بدون» (SANS)، فهل كل الأعمال محترمة إلا عمل التربية وإعداد الأجيال؟ ألا ساء ما يحكمون.
إن سفينة المجتمع في منظور الإسلام تكون محكوما عليها بالانحراف والاضطراب والجنوح، إذا اضطربت فيها القيم وانقلبت فيها الموازين.
إن هذا الاضطراب والانحراف يحصلان في السفينة بشكل فظيع، إذا أهمل العدل لحساب التسوية أو المساواة بالمفهوم السقيم، ولن تغني البهارج والأضواء، ودغدغة العواطف الرعناء، سفينة منخورة عجفاء، تصفر فيها الريح العقيم، ويمسك بأعنتها قوم بليدة عقولهم، وأفئدتهم هواء.
وصدق الله العظيم القائل: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْاَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ (المؤمنون : 71).

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *