مفهوم التعارف بين مقصدي الخلق والتشريع (1)


دة. كلثومة دخوش

– هل التعارف مقصد شرعي :

إنه من المعلوم أن الغاية من خلق الإنسان تتمثل في الخلافة في الأرض وعمارتها بالعبادة والعمل النافع، وأن الله تعالى خلق الإنسان لهذه الغاية العظمى وزوده بالإيمان والعلم والبيان، ليتمكن من القيام بهذا الدور الذي خلق من أجله كما هو مبين في كثير من آيات الذكر الحكيم، أذكر منها قوله تعالى:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (البقرة:29/32).

وقوله سبحانه : الرَّحْمَنُ  عَلَّمَ الْقُرْآنَ  خَلَقَ الْإِنْسَانَ  عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (الرحمن 1-2).

فههنا -إضافة إلى الإيمان- سلاحان لا ضرورة لهما بدون تواصل مع الغير، ولا تواصل بدون تعارف، إذ ما فائدة البيان إن لم يكن بغرض التواصل مع الآخر، ومن أين يأتي العلم إن لم يُتلق عن الغير ويُتوارث.

لكن ما المقصود بالتعارف؟ وما حدوده؟ وما غايته؟

– مفهوم التعارف في القرآن الكريم :

لقد ورد من مادة (ع ر ف) في القرآن الكريم ثمانية وعشرون استعمالا في واحد وسبعين موضعا، منها الفعل من المعرفة بتصاريف متعددة، والفعل من التعريف والاعتراف، ومنها العرف والمعروف.

أما التعارف فلم يرد إلا في موضعين اثنين هما قوله سبحانه في سورة يونس: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (الآية 45).

وقوله تعالى في سورة الحجرات : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الآية 13).

وآية سورة يونس ورد تفسير التعارف فيها بمعان مختلفة منها :

< أن التعارف كان في الدنيا ثم انقطع بالحشر، وعليه معظم المفسرين ومنهم الطبري.

< أن التعارف بمعنى المعرفة، أي يعرف كل أحد صاحبه يوم القيامة، كما ذكر ابن أبي حاتم، والشيخ الطاهر بن عاشور.

< أن المقصود التعارف عند الخروج من القبور ثم تنقطع المعرفة، كما جاء في بحر العلوم للسمرقندي.

< أن المشركين يتعارفون ولكن لا أثر لهذه المعرفة يومئذ، قال الشنقيطي في أضواء البيان عند تفسير الآية : «يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيَعْرِفُ الْآبَاءُ الْأَبْنَاءَ، كَالْعَكْسِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ هَذِهِ الْمُعَارَفَةَ لَا أَثَرَ لَهَا، فَلَا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا شَيْئًا، كَقَوْلِهِ : وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا».

< أن المعرفة هي مجرد الرؤية والتعرف الخاطف، جاء في أيسر التفاسير : (أي ليرى بعضهم بعضاً ساعة ثم يحول بينهم هول الموقف).

يبدو من سياق الآية -والله أعلم- أنها تخبر عما يحدث يوم  الحشر،  إذ سيتعارف الناس بمصائرهم، فيدرك الكفار مدى خسرانهم عند اطلاعهم على مصير المؤمنين، كما يرضى المؤمنون عن سعيهم عند اطلاعهم على مصير الكفار، ذلك أن الله تعالى بعد أن ذكر هذا التعارف قال : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، ذلك أن التعارف بينهم يستبعد أن يكون عائدا لما قبله وهو قوله: (ساعة من نهار) لأن الغرض من هذا التحديد هو بيان قصر الحياة الدنيا التي أفنوها في ما يرديهم في دار الخلد،  وهم لا شك لم يضيعوها في التعارف بينهم، وهذا يشبه قوله تعالى : فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُون (الأحقاف : 34). وانطلاقا من هذا الفهم للآية الكريمة يظهر أن التعارف بين الناس لمعرفة كل فرقة مصير الأخرى مقصود، لأن الغرض منه حسرة الكفار والزيادة في تعذيبهم بما يرونه من نعيم الجنة التي حرموا منها بأعمالهم، ونصوص القرآن الكريم التي تنطق بهذا المعنى كثيرة منها قوله عز من قائل : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَاب (الحديد : 13).

يتحصل إذن أن الآية الوحيدة التي أشارت إلى التعارف في الدنيا هي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

هذه الآية هي إحدى آيات سورة الحجرات،  التي تعد بحق سورة الأخلاق،  فهي سورة قد اشتملت من بدايتها إلى نهايتها على الدعوة إلى مبادئ المعاملات الصحيحة البانية للمجتمع الإيماني السليم المتماسك، وقبل الآية – محل الدرس- وردت مجموعة من الأوامر والنواهي التي تهدف كلها إلى حفظ جماعة المؤمنين من كل دواعي الفرقة والاختلاف كالتحذير من التقدم بين يدي الله ورسوله ومخالفة أوامرهما، والدعوة إلى التأدب مع الرسول ، والتحذير من تصديق أخبار الفاسقين التي قد تنشر الفتن بين صفوف المؤمنين.

الدعوة إلى الإصلاح بين المتخاصمين، والدعوة إلى الحفاظ على علاقة الأخوة بين المؤمنين، والنهي عن كل ما من شأنه تعكير هذه الأخوة كالسخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس والغيبة.

وقبل أن تختم السورة ببيان الفرق بين الإيمان والإسلام، جاءت الآية مخاطبة الناس جميعا بدعوتهم إلى التعارف بينهم، ومبينة أن أساس التفاضل بينهم عند الله خالقهم هو التقوى دون أي شيء آخر من تلك الامتيازات الدنيوية النابعة من أصل خلقهم، والراجعة إلى تدبير اللطيف الخبير.

دراسة الآية :

عند الرجوع إلى فهوم المفسرين للآية الكريمة وتفاسيرهم لها، نجدهم يربطونها بسبب نزولها،  ويقصر معظمهم معنى التعارف فيها على مجرد معرفة أنساب وقبائل بعضهم بعضا، قال الطبري: »وقوله لِتَعَارَفُوا يقول: ليعرف بعضكم بعضا في النسب، يقول تعالى ذكره: إنما جعلنا هذه الشعوب والقبائل لكم أيها الناس، ليعرف بعضكم بعضا في قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لكم في ذلك، وقُربة تقرّبكم إلى الله، بل أكرمكم عند الله أتقاكم.

وقال ابن كثير في تفسير لتعارفوا : «أي: ليحصل التعارف بينهم، كلٌ يرجع إلى قبيلته».

وقال النيسابوري في تفسير الآية: «ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب».

أما التفاسير المعاصرة فقد توسع بعضها في ما يفهم من الآية الكريمة، فنجد مثلا في تفسير المنار عند الحديث عن مقاصد القرآن:» الْمَقْصِدُ الرَّابِعُ مِنْ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ

الْإِصلَاح الِاجْتِمَاعِي الْإِنْسَانِي وَالسِّيَاسيُّ الَّذِي يَتَحَقق بِالْوَحَدَاتِ الثَّمَانِ:

وَحْدَةُ الْأُمة، وَحْدَةُ الْجنسِ الْبَشَرِي، وَحْدَةُ الدين، وَحْدَة التَّشرِيعِ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْعَدْلِ، وَحْدَةُ الْأُخُوَّةِ الرُّوحِيَّةِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي التَّعَبُّدِ، وَحْدَةُ الْجِنْسِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ، وَحْدَةُ الْقَضَاءِ، وَحْدَّةُ اللُّغَةِ» ثم يقول: (الْأَصْل الثَّانِي) الْوَحْدَة الْإِنْسَانِية بِالْمُساوَاة بَيْن أجْنَاسِ الْبشَرِ وَشُعوبِهِمْ وَقَبَائِلِهمْ، وَشَاهِدُهُ الْعَام قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ»

وقال الزحيلي مفسرا الآية الكريمة: «والمعنى أيها البشر إنا خلقناكم جميعا من أصل واحد، من نفس واحدة من آدم وحواء فأنتم متساوون لأن نسبكم واحد، ويجمعكم أب واحد وأم واحدة فلا موضع للتفاخر بالأنساب، فالكل سواء. ولا يصح أن يسخر بعضكم من بعض ويلمز بعضكم بعضا، وأنتم إخوة في النسب. وقد جعلناكم شعوبا (أمة كبيرة تجمع قبائل) وقبائل دونها لتتعارفوا لا لتتناكروا وتتحالفوا، والمقصود أن اللَّه سبحانه خلقكم لأجل التعارف، لا للتفاخر بالأنساب».

وقال سيد قطب في تفسير الآية الكريمة:«يا أيها الناس، والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم من ذكر وأنثى، وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل، إنها ليست التناحر والخصام، إنما هي التعارف والوئام، فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطبائع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعارف للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات»، ثم يقول: «إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس إن أكرَمَكُمْ عنْدَ الله أتقاكُمْ.. والكريم حقا هو الكريم عند الله، وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».

ثم يبن أن هذه القاعدة هي التي ينبغي أن يقوم عليها المجتمع الإسلامي، أو المجتمع الإنساني العالمي الذي تحاول البشرية أن تحققه دون أن تتمكن من ذلك.

يلاحظ أن التعارف عند سيد قطب لا يعني فقط معرفة الأنساب أو الأشخاص، بل عبر عنه بمرادفه عنده كما يظهر وهو لفظ «الوئام»، كما اجعل الغاية من التعارف هي «النهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات»،  وهذا على خلاف ما فسر به عند المتقدمين. فمن أين جاءت هذه الإضافة في معنى التعارف.

عند الرجوع إلى المعاجم اللغوية وجدت معظمها تعرف مادة (عرف) بالعلم،  وتذكر من المادة عدة استعمالات منها المعرفة بمعنى يقارب العلم بالشيء، وعرف الدابة، والعريف بمعنى القائم على أمور القوم، والعراف، والمعروف، والعرف بكسر العين بمعنى الصبر.

غير أنه في معنى المعروف عند ابن منظور وجدت لفظ الاطمئنان، وهذا اللفظ أصل من أصلي مادة عرف كما ذكره ابن فارس،  قال:

«العين والراء والفاء أصلان صحيحان يدلُّ أحدُهما على تتابُع الشيء متَّصلاً بعضُه ببعض، والآخر على السكون والطُّمَأنينة.

فالأوّل العُرْف: عُرْف الفَرَس. وسمِّي بذلك لتتابُع الشَّعر عليه.ثم قال : «والأصل الآخر المعَرِفة والعِرفان. نقول :عَرَف فلانٌ فلاناً عِرفاناً ومَعرِفة. وهذا أمر معروف. وهذا يدلُّ على ما قلناه من سُكونه إليه، لأنَّ مَن أنكر شيئاً توحَّشَ منه ونَبَا عنْه.

ومن الباب العَرْف، وهي الرَّائحة الطيِّبة. وهي القياس، لأنَّ النَّفس تسكُن إليها. يقال : ما أطيَبَ عَرْفَه. والعُرْف: المعروف، وسمِّي بذلك لأنَّ النفوس تسكُن إليه […]، ويقال : النَّفس عَروف، إذا حُمِلت على أمرٍ فباءت به أي اطمأنَّت [… ] والعارف : الصابر، يقال أصابته مصيبةٌ فوُجِد عرُوفاً،  أي صابراً.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *