شرح الأربعين الأدبية [42] في أن في الرد على المشركين شفاءً (1)


روى الإمام مسلم «عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: «اهجوا قريشا، فإنه أشد عليها من رشق بالنبل». فأرسل إلى ابن رواحــة، فقال: «اهجهم». فهجاهم، فلم يرض. فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت. فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذَنَبه، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق! لأفْرِينهم بلساني فري الأديم. فقال رسول الله : «لا تعجل، فإن أبا بكـر أعلـم قريـش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا، حتى يلَخِّص لك نسبي». فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله! قد لَخَّص لي نسبك، والذي بعثك بالحق! لأسلنك منهم كما تُسل الشعرة من العجين.
قالت عائشة: فسمعت رسول الله يقول لحسان: «إن روح القدس لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله ورسوله».
وقالت: سمعت رسول الله يقول: «هجاهم حسان فشفى واشتفى».
قال حسان:
هَجَوتَ محمدا فأجبتُ عنـه وعند الله في ذاك الجَـزَاءُ
هجـــــــــوتَ مُحمَّدا بَرّا تَـقـيــــــــا رســـــــــــولَ الله شِيـمَتــــه الوَفــــــاء
فإنَّ أبي وَوَالده وعِرضـــــي لعِرض محمـــد منكم وِقَــــــاء
ثَكِلْت بُنَيّتي إن لم تَـروهـا تُثير النَّقْع من كَنَفَي كَـدَاء
يُبَارين الأعِنَّة مُصْـعِــــــــدات على أكتافها الأَسَلُ الظِّمــــــــاء
تَظل جِيادُنــــــــا مُتَـمَـطِّـــــــــرات تُلَطِّمُهُـــــــن بالخُمُــــــر النـســـــــــــــاء
فإنْ أَعْرَضتمو عنا اعْتَمَرْنــــــا وكان الفتحُ وانْكَشفَ الغِطاء
وإلا فاصبــــــروا لِضِرَاب يــوم يُعِــــــز الله فيـــــــــه مــــــــن يـشــــــــــاء
وقــال اللهُ قـــد أرسلـــت عَبْـــدا يَقــــــولُ الحـــقَّ ليْـــــــسَ بِـــــهِ خَفَــــــاءُ
وقــــال الله: قـــــــد يَسَّرْت جُنــــــــدا هـــــــمُ الأنصـــــــار عُرْضَتْها اللقـــــاءُ
لنا في كــــــــل يوم من مَعَــــــــدّ سِبَــــــاب أو قِــــتـــــــال أو هِـجَـــــــــــــــاء
فمــــن يهجــــــو رســـــولَ الله منكــــم ويمــــــــدحـــــــهُ وينـــــــصـــــــره سَـــــــــــوَاء
وجبـــــــــريـــلٌ رســـــــولُ اللـــه فـــيـنــــــــــــا وروحُ القدْس ليـس لــه كِفَاء» (1)

في هذا الحديث أربع مسائل: سبب الورود، وتكليف الشعراء بالرد، وجهود حسان في ذلك، ثم أثرها.
أولا: سبب الورود:
تبدأ رواية حديث الباب بـقول رسول الله : «اهجوا قريشا»، وهذه البداية مشعرة أن هناك سببا جَعل النبي يأمر بهجاء قريش، ويُفهم من السياق أن الأمرَ أمرُ رَدّ لا ابتداء، بدليل قَوْل الرسول في الحديث نفسه: «هجاهم حسان فشفى واشتفى»، وقول حسان: «هَجَوتَ محمدا فأجبْتُ عنـه…» و«هجوتَ مُحمَّدا بَرّا تَـقـيـا…»، ففيه أن أحد القرشيين هجا محمدا ، وأن حسان بن ثابت أجابه، وأن جوابه كان شافيا من ذلك الهجاء.
وفي رواية عند الحاكم تصريح بسبب الورود، ففيها «أن رسول الله أُتِي فقيل: يا رسول الله، إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يهجوك» (2)، فظهر أن هجاء أبي سفيان النبيَّ كان السببَ في الرَدّ، وأن الرسولَ أُخْبِر بذلك.
وقد رأينا مِن قَبْل أن قول حسان في قصيدته:
فإنْ أَعْرَضتمو عنا اعتمرنا
وكان الفتحُ وانْكَشفَ الغِطاء
يتضمن كلمتين دالتين على تحرك المسلمين نحو مكة هما «اعْتَمَرْنا» و«الفتح»، وحصرنا ذلك زمنيا بين الخروج للعمرة قبيل صلح الحديبية سنة ست، وبين فتح مكة سنة ثمان؛ لأن هذه المرحلة هي التي شهدت ثلاث خرجات نبوية في هذا الاتجاه:
الخرجة الأولى للعمرة سنة ست، وانتهت بصلح الحديبية.
والخرجة الثانية للعمرة سنة سبع، وتسمى عمرة القضية.
والخرجة الثالثة لفتح مكة سنة ثمان.
وقد استبعدنا أن يكون ذلك عام الفتح، ومِلْنا إلى أن يكون سنة سبع في عمرة القضاء.

د. الحسين زروق
———-
(1) – شرح صحيح مسلم، 16/41-44، حديث رقم 2490، ك.فضائل الصحابة، ب.فضائل حسان… النقع: الغبار. كداء: موضع بين مكة والمدينة. يبارين: يُضجعن. المصغيات: المائلات المنحرفات للطعن. الأسل: الرمح. متمطرات: تمطر الفرس أمام الخيل إذا سبقها خارجا منها. عرضتها: فلان عرضة للخصومة إذا كان مطيقا لها.
(2)- المستدرك، 4/618-619، حديث رقم 6118، ك. معرفة الصحابة، ب. اضطراب حسان وقت نزول سورة الشعراء وتسلي النبي له. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما أخرجه مسلم بطوله…».

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *