إشـــــــــــراقـــــــــة – التدرج في الوعظ


من أسباب نجاح أسلوب الوعظ وقبوله لدى الجمهور مراعاة التدرج في التوجيه والترشيد، والتوعية، والتبليغ، فإن أبناء أمتنا طالت غيبتهم عن التطبيق العملي لشريعتنا الغراء، وترعرعت معهم عادات ومألوفات، تحتاج من الواعظ إلى سلاح الصبر والأناة ليحارب جيوش المألوفات عند شتى الطبقات. فهناك الشيوخ وأعرافهم، وهناك الشباب وميولهم، وهناك المثقفون وأوهامهم، وهناك الأميون وسذاجتهم. فعليه أن يراعي التدرج في تبليغ دين الله تعالى، ليقبله عباد الله، فإنها سنة الله جل وعلا.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى : وذلك أن الأمي الذي لم يزاول شيئا من الأمور الشرعية ولا العقلية وربما اشمأز قلبه عما يخرجه عن معتاده بخلاف ما كان له بذلك عهد. ومن هنا كان نزول القرآن نجوما في عشرين سنة، ووردت الأحكام التكليفية فيها شيئا فشيئا، ولم تنزل دفعة واحدة، وذلك لئلا تنفر عنها النفوس. وفيما يحكى عن عمر ابن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له : “مالك لا تنفذ الأمور؟ فو الله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق”، قال عمر : “لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة” (الموقفات : 71).
إنها مسألة دقيقة لا يتنبه لها إلا من كان له ذكاء وفطنة، فإن التوجيه يختلف باختلاف البيئة والناس، وتنوع الظروف والأحوال، إذ لا فائدة في كلام يتجاهل واقع الناس ومستواهم ومتطلباتهم في التربية والتوجيه، فإن من أفضل طرق الإقناع في الوعظ مراعاة أحوال من في مجلس الوعظ، فإن ما يصلح لمجلس لا يصلح لآخر، والحق له أكثر من صيغة، بينما بعض الوعاظ يظنون أن الحق له وجه واحد لا يتعدد فلا يبالون بالاصطدام مع الجمهور، قال أبو عون الأنصاري: ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلى جانبها كلمة ألين منها تجري مجراها، والملاحظ أن الاصطدام مع أعراف الناس أول الأمر يجر إلى جدال عقيم يفسد جو الوعظ ويلحق الرزية بالدعوة. فعلى الواعظ أن ينطلق بالناس من مستواهم الذي وصلوا إليه بتدرج حسن إلى ما ينشده لهم من كمال. فإن التدرج سنة الله في شرعه وفي خلقه، فالشتاء البارد لا يعقبه الصيف الحار ولكن بينهما الربيع المعتدل، والصيف الحار لا يعقبه الشتاء البارد ولكن بينهما الخريف فصل معتدل، والعين إذا كانت لا تبصر إلا الظلام فإذا انقشع الضوء فيها دفعة واحدة فإنها لا تبصر إلا بصعوبة، وكذلك نور الهداية فينبغي للموعظة أن تفتح عيون الناس عليه رويدا رويدا، كما يكشف نور الصباح معالم الكون شيئا فشيئا، ويجلو الموجودات الكونية تدريجيا.
وفي هذا المعنى يقول النبي : «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (رواه الإمام البخاري). قال الإمام ابن حجر (الفتح : 1/220) : والمراد تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه في الابتداء. وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذلك تعلم العلم ينبغي أن يكون بالتدرج، لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلا حبب إلى من يدخل فيه ويتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبا الازدياد بخلاف ضده. والله أعلم.

ذ. عبد الحميد صدوق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *