عبرة


سأل رجل الحسن البصري رحمه الله تعالى فقال : يا أبا سعيد أمؤمن أنت؟ فقال له : الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالى : إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون فوالله ما أدري أأنا منهم أم لا !! (ذكره القرطبي في تفسيره).
الإيمان إيمانان، كما قال الحسن رحمه الله تعالى، فأي الإيمانين هو إيمانك أخي؟ أهو ذاك الإيمان الذي لا يعدو أن يكون أخبارا يلوكها اللسان عن الله وملائكته ورسله وباقي الأركان، دون أن يظهر له أثر في كلامك وصمتك، في محبتك وبغضك، في أخذك وعطائك، في بيعك وشرائك، في بيتك ووظيفتك، وفي شأنك كله؟ إيمان كهذا إيمان أجوف، لا يقرب صاحبه من سيده ومولاه قيد أنملة، بله أن يرقى به في سماء القرب ويحلق به في علياء الوصل، ويجعله نموذجا للمؤمن الحق الذي امتلأ قلبه إيمانا حتى فاض على جوارحه استقامة وإحسانا، فسالت أودية من المكرمات بقدرها.
إننا بحاجة ماسة اليوم إلى إيمان الجوارح كما القلب، إيمان الباطن كما الظاهر، الإيمان الذي يوجه الفرد نحو الخير والعمل الصالح، ويجعله متنافسا في كل ميادين الفضيلة، الإيمان الذي يعطي للآخر انطباعا إيجابيا عن حقيقة ما تؤمن به، فيحذو حذوك، ويقتفي أثرك، ويسلك سبيلك، ولو تأملت معي في فواتح سورة المؤمنون لوجدت أن عامة صفات المؤمنين المذكورة فيها تضبط علاقة المؤمن مع ربه من خلال صلاته الخاشعة، وتضبط علاقته بالناس من خلال تعامله الراقي، وإيجابيته وأدائه للأمانة بمعناها الكلي، وبعده عن الدنايا والسفاسف من لغو وزنا..
هذا هو الإيمان الحق، وأولئك هم المؤمنون حقا، عسى أن يجعلنا منهم بفضله وجوده وإحسانه.
آميـــن

ذ. منير المغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *