افتتاحية – المسلمون وازدواجية معايير الموقف الدولي


عانى المسلمون ولا يزالون أينما وجدوا في العالم سواء أكانوا أقلية أم أغلبية من تهميش مقصود ، وتنكيل ليس له حدود ولا قيود. فإن كانوا أقلية فليس لهم الحق في المواطنة، بلْهَ الحق في المشاركة في تدبير الشأن العام برشد وأمانة، فأقل تهمة تلصق بالمسلمين داخل أوطانهم العمالة والخيانة، والعنف والإرهاب، وبذلك تشرع على مصراعيها كل الأبواب لألوان الشتات والإبادة، والعالم لا يرفع عينا ولا يدفع ظلما، بل الجميع يصيح لا للتدخل في الشأن الداخلي للدول. وتأتي أمام الناظر في التاريخ الحاضر تقتيل المسلمين الفلسطينيين على يد الميليشيات الصهيونية المسلحة أمام أعين الدول الاستعمارية لتمهد لقيام الكيان الصهيوني، ثم بعد قيام الكيان المزعوم توالت التأييدات والتبريكات لمجازره في حق الفلسطينيين السكان الأصليين للبلد. وإن ما عاناه المسلمون في الجمهويات الإسلامية في روسيا في عهد السوفييت وبعده، وما حدث لمسلمي البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي من مذابح، وما يعانيه المسلمون في دول أخرى كالهند والصين، ثم ما يحدث لمسلمي الروهينجا في ميانمار من إبادة وتقتيل وتشريد، خير دليل على ذلك. واليوم جاء الدور على مسلمي أفريقيا الوسطى الذين يتعرضون لأبشع عمليات الإبادة بشهادة المنظمات الحقوقية على يد الميليشيات المسيحية، حيث غاب الموقف الدولي، ولم يكن التدخل الفرنسي إلا لتجريد المسلمين من السلاح دون الخصوم، والانحياز للجبهة المسيحية بدوافع سياسية ودينية وعلمانية وتاريخية، ليبقى هذا التدخل أكبر حاضر شاهد مسؤول على ما يحدث في البلد من عمليات التطهير العرقي ضد المسلمين فاق كل بشاعة. وإن كان المسلمون أغلبية في أوطانهم كحال أوطاننا العربية في زمن الربيع العربي فإن الاختيار الإسلامي يُتعامَل معه وكأنه غريب، وحملة المشروع الإسلامي في أوطانهم أشد غربة واغترابا !! فليس لهم الحق مع أبناء بلدهم في اقتسام مسؤوليات التدبير العام، حتى وإن صوت عليهم الشعب بأغلبية، في زمن الحقوق والديمقراطية، ومجرد مطالبتهم بدخول المشهد السياسي يعتبر تهديدا للسِّلم الاجتماعي، تتجند له كل وسائل المال والإعلام ومحاضر الشرطة والقضاء، وتتطاول ألسنة الاستئصاليين معلنةً إقصاء أي مشروع له صلة بالتصور الإسلامي، وواضعة للقوانين التي تحاصر كل حركة في هذا الاتجاه. فقد وئدت التجربة الديمقراطية في الجزائر في التسعينيات من القرن الماضي، ثم في فلسطين، وبعد ذلك في مصر وغيرها، كل ذلك بسبب اختيار الشعوب للمشروع الإسلامي، ولا تزال بلدان الربيع العربي تتوجس خيفة من مستقبل الإسلام في المنطقة، بعد أن نجح بعض أبناء الدار في نقل معركة التخويف من الإسلام من الغرب إلى بلاد المسلمين. كل ذلك يحدث تحت أعين حراس الديمقراطية المزعومين، والساهرين على حقوق الإنسان المفترَضين، الذين يباركون هذه المآسي، فينقضون مبادئهم المعلنة، ويكيلون بمكيالين، لأن الانقلاب على الديمقراطية في بلاد الإسلام لا يُعد انقلابا، في نظرهم، لأنه “شأن داخلي” أيضا. إن العالم الإسلامي اليوم ـ رغم هذه المآسي ـ لا بد أن يتحمل ضريبة الاستخلاف في الأرض الذي تتهيأ له الأمة، بالسعي الحثيث لتوحيد الجهود والتكاثف وإحياء العمل الإسلامي في مجال التعاون داخليا وخارجيا وفتح أبواب العمل الخيري والإنساني والاعتماد على الذات في كثير من القضايا، وبحمل رسالة الإسلام الصافية الخالصة الأصيلة للعالمين بوعي وصبر وحكمة وثقة في النصر، إذ هو المدخل الواسع للخروج من المحن إلى المنح، قال تعالى: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مومنين”

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *