عبرة


ما صدق اللهَ تعالى عبدٌ في ترك شيء لوجهه إلا عوضه الله جل وعلا خيرا منه، وعد صدق لا يتخلف، غير أن أكثر الناس في ريب من موعود الله عز وجل. وكم رأينا من سقط عند أول امتحان، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، واستعجل الرزق، ولم يبال أَمنْ حلال أو حرام سبق إليه، فهو كالطائر يرى الجنة ولا يرى الشرَكَ، حتى إذا وقع عَضَ أنامله ندما، وإليك أيها المبارك هذه القصة: “أراد رجل من أهل الذمة أن يقرأ عليه أبو عثمان المازني كتاب سيبويه، ويعطيه مائة دينار، فامتنع من ذلك، فلامه المبرد، فأجابه بأن الكتاب مشتمل على 300 آية من كتاب الله، ولم تطاوعني نفسي أن أمكن منها ذميا. ثم حصل أن جارية غنت بحضرة الواثق بهذا البيت : أظلوم إن مصابكم رجلا أهدى السلام تحية ظلم فاختلف الحاضرون في نصب رجل ورفعه، وأصرت الجارية على النصب، وزعمت أن شيخها أقرأها بالنصب. فقال الواثق : ومن شيخك؟ قالت : أبو عثمان المازني، فأرسل في طلبه، فلما حضر أبدى وجه النصب وقال : إن مصابكم بمعنى مصيبتكم ورجلا مفعوله وظلم الخبر، ولهذا لا يتم المعنى دونه، فأخذ اليزيدي في معارضته. فقال له المازني : هذا البيت مثل قولك : إن ضربك زيدا ظلم. فاستحسنه الواثق، وقال : ألك ولد؟ قال : لا ولكن لي أخت تقوم مقام الولد رأفة ورحمة. قال : فما قالت لك حين هممت بالشخوص؟ قال : قالت لي : نحن بعدك، كما قال الأعشى : ترانا إذا أضمرتك البلاد نُجفى ونقطع منا الرحم. قال الواثق : فبماذا أجبتها؟ قال : بقول جرير : ثقي بالله ليس له شريك ومن عند الخليفة بالنجاح قال الواثق : ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى، ثم أمر له بألف دينار. فلما عاد لقي المبرد فقال له : كيف رأيت الله صنع يا أبا العباس، رددنا له مائة فعوضنا ألفا”(تاريخ بغداد 3/144).

ذ. منير مغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *