استثمارات الإحسان لحياة الرشد بالقرآن


1- مقدمة :

الاستثمار في اللغة : “مأخوذ من الفعل ثمر بفتحتين، يقول ابن فارس : الثاء والميم والراء أصل واحد وهو شيء يتولد عن شيء متجمعاً… يقال ثمر الرجل ماله : أحسن القيام عليه، ويقال في الدعاء : ثمر لله ماله أي نماه..”(1). ويقول الزبيدي: الثَّمَرُ: أنواعُ المال المُثَمَّرِ المُسْتَفَادِ.. وقرأَ أبوعمرو: {وكانَ له ثُمرٌ} وفَسَّره بأَنواع المالِ.. ومالٌ ثَمِرٌ ككَتْفٍ ومَثْمُورٌ: كثيرٌ مُبارَكٌ فيه. وقد ثَمُرَ ماله يَثْمُرُ: كَثرَ . وقَومٌ مَثْمورون: كَثِيرُوالمالِ.. ثَمَّرَ الرجلُ مالَه تَثْمِيراً: نَمّاه وكَثرَه ويقال: ثَمَّرَ الله مالَكَ. وأَثْمَرَ الرَجلُ: كَثُرَ مالُه كثَمَرَ(2). وتنمية المال وتكثيره أضعافا مضاعفة لا حد لها؛ لا ينال إلا بالتجارة مع الله تعالى رب المال ورب المستخلَف على المال، عبر النفقة في سبيل الله، قال الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(البقرة: 261). والتجارة مع الله تكون بمنهج الله كما هومبين في القرآن البيان؛ الذي يثمر التمسك به رشدا في التصرفات، وفوزا وفلاحا في المعاملات؛ لن يعرف البوار سبيلا إليها، قال اله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ}(فاطر: 29).

2- لا حياة ولا رشد إلا بالقرآن الكريم: الإنسان اليوم يعطي القيمة للمادة على حساب الروح؛ يهتم بالهياكل والأشكال من الإنسان وللإنسان، ويغفل عن العمران والوجدان. ولوتفكر قليلا فتساءل: ما قيمة الهياكل والأشكال إن كان الجوهر خربا من الإنسان؟ لأبصر بعد قراءة وتدبر لواقع الحال؛ أن من أخطر نتائج ذلك طغيان الأمراض النفسية اليوم على الأمراض العضوية. ومن ثم فالكل يسعى إلى شفاء أسقام نفسه؛ وحياة قلبه، وروحه. والكل يسعى إلى الرشد والحياة الراشدة..؟ لكن ما السبيل للفلاح في السعي وتحقيق المراد؟ السبيل هوالعودة إلى القرآن والعناية بالقرآن وأهل القرآن إلى أقصى الحدود الممكنة؛ لأن الحياة بالقرآن الكريم ينتج عنها رشد الإنسان فردا وجماعة وأمة..، ومن ثم الأمر اقتضى بعضا من التفصيل والبيان في اللغة والاصطلاح للفظ الرشد باعتباره لفظا مفتاحيا في الموضوع. الرشد في المعاجم ، خلافُ الغَيِّ ونقيض الضلال… والرشد يدل على استقامة الطريق، وأَرشَدَه الله وأَرشَدَه إِلى الأَمر ورشَّده هداه… وإِرشاد الضال أَي هدايته الطريقَ وتعريفه(3) “والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، من الرشاد وهي الصخرة”(4). أما في القرآن الكريم فتفيد سياقات موارد الرشد ومشتقاته في القرآن، والتعريف اللغوي، أن الحياة الراشدة هي تلك الحياة التي يسلك فيها السالك سبيل ومسلك الرشد المقابل لمسلك الغي كما ورد بذلك النص: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}(الأعراف146). إذن ما السبيل إلى الرشد والحياة الراشدة؟ هوالسبيل والطريق والمنهج الذي يهدي إليه القرآن الكريم كما قال الله في سورة الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً}(الجن : 1- 2). والهداية إلى الرشد هنا تفسرها آية الأحقاف بالهداية إلى الحق وطريق مستقيم كما قال الله: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}(الأحقاف30). والحق نقيض الباطل. والقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه تنزيل من حكيم حميد؛ فالقرآن يهدي إلى الحق في كل ما ورد فيه؛ بإحكام دقيق؛ سواء تعلق الأمر بالاعتقاد أوالأخبار أوغيرهما، كما يهدي لأقوم السبل في كل شيء، قال الله تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً}(الإسراء9). فلا اعوجاج في كل ما يدل عليه ويهدي إليه في كل المجالات في التربية والتعليم والاقتصاد والسياسة والاجتماع.. ومن ثم فالعمران في كل مجالات الحياة يتأسس على خدمة القرآن بشتى أنواع الخدمة التي تحتاج إلى جهاد بالمال والنفس.

3- الإنفاق للحياة والرشد بالقرآن: الله عز وجل دعانا إلى تنمية أرصدتنا المالية عبر الإنفاق في سبيله، من خلال نصوص كثيرة من الكتاب والسنة من مثل قول الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(البقرة: 245). على أن الإنفاق في سبيل الله له وجوه شتى، كالإنفاق على الأهل والولد والمحتاجين من الفقراء والمساكين واليتامى والإنفاق لإقامة المشاريع الخيرية.. ومن أهم فرص الاستثمار العناية بالقرآن الكريم حفظاً وتلاوة وتفسيراً وتدبرا وعملا ودعوة … وإشاعة التنافس عليه ببناء المؤسسات التي تقوم على كل ذلك أوبعضه وتيسير سبل تأسيسها وتأجير من يقوم على هذه المؤسسات إدارة وتحفيظا وتعليما… لماذا كانت العناية بالقرآن من أهم أبواب الاستثمار؟ لأن الاستثمار في خدمة القرآن الكريم هوالأساس الذي تحتاجه جميع مجالات الحياة البشرية؛ إذ الحياة بالقرآن الكريم تلبي جميع مطالب الإنسان وجدانية وقلبية ونفسية وعقلية وصحية وغريزية واجتماعية … : {.. وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}(النحل89). هذا المشروع الاستثماري الكبير يرمي إلى إقامة وإصلاح المؤسسات القرآنية التي تخرج جيلا من الصالحين المؤمنين المتقين الموصولين بالله سبحانه، الذين يخشون الله ويتقونه، ويسارعون إلى رضوانه، ويتجنبون كل ما يسخطه، ويدعون الناس إلى الخير، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، ويذكرونهم بالله واليوم الآخر..

4- بعض تجليات الاستثمار للحياة بالقرآن الكريم:

– هذا النوع من الاستثمار لا يقتصر نفعه على المنفق والمنفَق عليه وحسب؛ بل يتعداهما إن خلصت النيات وزكت الثمرات إلى خلق كثير:

– إكثار سواد المهرة بالقرآن أصحاب السفرة الكرام البررة عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ))(5). – حلول الطمأنينة والسكينة التي تنتج عن ذكر الله والتلاوة والتدارس.. في النفوس بدل الاضطرابات والأمراض النفسية..

– عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ: ((.وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ))(6). – المساهمة في الشفاء من الأسقام خصوصا النفسية منها.. {يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}(يونس: 57). {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا}(الإساء: 82).

– إشاعة النفس الطيب وتوسيع مجاله حتى يغلب على الخبيث إلى أن يمحو أثره بإذن الله تعالى.

– عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لاَ رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ))(7). – المساهمة في وضع الأمة في مكانها الذي وضعها الله تعالى فيه حيث يرفع ذكرها ويظهر عزها وشرفها؛ {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}(الأنبياء10). {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ }(الزخرف43-44).

وختاما؛ إن خدمة القرآن الكريم تعتبر من أجل أنواع التعبد والتقرب إلى الله، لأنه كما هومعلوم في القواعد الشرعية العمل الذي يتعدى نفعه إلى الغير أفضل عند الله من غيره من الأعمال. والقرآن الكريم كالغيث؛ به تكون حياة القلب وصلاحه؛ ومن ثم صلاح الكيان البشري كله. فالله نسأل أن يستعملنا في خدمة كتابه الكريم؛ مخلصين له الدين آمين؛ والحمد لله رب العالمين.
د. إدريس مولودي(ü)

———–
(ü) أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة مكناس تافيلالت – فرع الرشيدية
1 – مقاييس اللغة/ثمر
2 – تاج العروس/ثمر
3 – المقاييس والمفردات واللسان/رشد
4 – تفسير القرطبي ج:16 ص:314.
5 – وأخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع به رقم:798.
6- أخرجه مسلم كتاب الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ بَابُ فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ رقم: 2699.
7- أخرجه البخاري كتاب الأطعمة بَابُ ذِكْرِ الطَّعَامِ رقم 5427. وأخرجه مسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا بَابُ فَضِيلَةِ حَافِظِ الْقُرْآنِ رقم: 797.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *