أوراق شاهدة – ذروة التراجيديا : التغريبة السورية


في هذه المحطة سأوجه بوصلة قلمي إلى وجع غدا أشبه بملحمة تراجيدية، لشعب يواصل رحيله إلى الشرود والتيه المعمم وليس فينا (ولا يجب أن يكون) في أمة الحبيب المصطفى من لم تهزه تلك التراجيديا وأعني بها التغريبة السورية. فأن تزلزل الأرض زلزالها في أرض أم الدنيا الشقيقة مصر، ويتم فيها بكل برودة قلب الطاولة على اختيار شعبي له ما له، وعليه ما عليه ، في ازدراء مريع للذكاء المصري، وخياراته التي لا حق في طعنها، (من منطلق أبجديات الديمقراطية المجمع عليها)، حتى انتهاء المسار الانتخابي المسطر، وللشعب المصري بعدها واسع النظر في من يحكمه، نقول: أن يقع ما وقع، فهو سيناريو مُتَعَمَّد من لدن قوى خارجية بالتواطؤ مع قوى داخلية لتنزيله بالحزمة عند اللزوم “كما وقع في الجزائر “، وكان قصورا فادحا بلا شك أن يثق الإسلاميون في أولئك الذين يهشون في وجوههم وإذا خلوا إلى شياطينهم عضوا على أناملهم من الغيظ . ومع ذلك فالشعب المصري ما زال يضمد جراحه ملتفا على مآسيه يرمم صدوعه الداخلية ولم يضطره مصادرو خياراته (الديمقراطية) إلى التيه في المنافي .. وعن التغريبة العراقية ، فما مر عام إلا والعراق يفجر جسده المكدوم حرائق وتشظيات دماء ، وما عاد لجراح ، بمقتولين مغدورين إيلام، والمعاقون يرابطون بكل اصطبار في محطة الحزن العراقي اليومي ولا يغادرونها، وقد صارت ملح معاشهم اليومي المتفجر عنوة. وعن التغريبة الفلسطينية، وهي أم التغريبات وأفجعها، فلا زال شعب الجبارين يعض ويكز بأسنانه كالحامل التي أدركها الطلق في الخلاء البعيد ، على الحياة والموت سواء .. ومن يطلع على أحوال الشعب الفلسطيني المحاصر والذي غدا في الكثير من العواصم العربية أشبه بالجذام ، سيفتقد بلا شك تلك الكلمات الإستشرافية الغامرة الحزن لشاعر النكبة رحمه الله محمود درويش حين صاح ذات غربة قاصمة : (كم كنت وحدك يا ابن أكثر من أم وأب … حاصر حصارك بالجنون وبالجنون وبا لجنون فإما أن تكون أو لا تكون)، وما كان درويش يعلم أن زمنا جاحدا بأهله سيقذف إلى الوجود بعرب، طفقوا مع موجة ” الربيع / الخريف العربي يمرنون أصواتهم على الصراخ عاليا بأن إسرائيل أهون شرا من فلسطينيي غزة .. ولو علم درويش بالسقوط المريع لأرواحهم قبل ألسنتهم لخرس تماما عن الكلام، منظوما أو منثورا، وللإمبريالية في عبيدها شؤون!! ومع ذلك فكل التغريبات العربية ولجت جيناتنا وغدت جزءا من تضاريسنا إن أبصرتنا أبصرت التغريبات ، وإن أبصرت التغريبات أبصرتنا.. إلا التغريبة السورية فلتراجيديتها تنهد الجبال هدا..! إن جولة واحدة بجل فضاءات العالم العربي، ستذبح الخاطر الكسير بموسى صدئة.. فبسحنات شقراء وعيون زرقاء وخضراء، ووجوه حليبية رائعة الجمال ، يتكوم السوريون شيوخا ونساء وأطفالا على البلاطات الحجرية الباردة للبلدان العربية.. سوريا الصحابة الأماجد.. سوريا الخلافة الزاهرة.. سوريا العلم والعلماء والأدباء والمفكرين والفنانين الشامخين .. سوريا الباسقين ، تلفظ فلذات أكبادها على أرصفة الغربة العربية وقد شح الزمن وكرت ببلاد العرب سنوات البقرات العجاف، وتسرب في غمرة التشتت العربي الناتج عن ضعف الحبل المتصل بالمولى داءُ الوهن إلى الأنفس وبهتت معالم الطريق إلى الحق، فضاع الأمن والبركات .. فكيف ينجد الغريق الغريق؟؟؟ هو الهول العظيم إذن ومع ذلك، فالمسلخ السوري الرسمي الذي يسوم أبناءه سوء العذاب داخل أقبية القيامة الكبرى، لن يطول به زمن هذه العربدة المجنونة في الأجسام والأعراض، لأن السنن الربانية الجبارة على الباطل لن تديم هذا الوضع التراجيدي لأصحابه المخبولين إلى ما لا نهاية، وسيجعل الله الكرة للمستضعفين عليهم عاجلا أو آجلا، والفرعونية التي علت في الأرض غصبا وتذبيحا واستضعافا، كــر عليها جندي واحد من جنود الله عز وجل وهو “الــمــاء”، فأغرق الفرعون وأزلامه وقضي الأمر في دقائق معدودات. وآه قارئي ما أصبر الظلمة على النار، وكيف بالعاضين على كراسي من دموع وشلالات لحم مفروم ، إذا وقفوا بين يدي الديان الذي لا يضل ولا ينسى فأحصى عدد أولئك التائهين الذين طالت غربتهم نهارات أخرى وطالت عودتهم نهارات أخرى وغاصوا في لجج ظلمات الظالمين ، مشلوحين في العراء، وقال الحق سبحانه للطغاة المستكبرين : {وقفوهم إنهم مسؤولون}. وصبرا آل سوريا.. هو وعد غير مكذوب ..فإن قوم شعيب عثوا في الأرض إفسادا وكانوا لصوصا ظالمين ، ينقصون المكيال والميزان، وهم بخير بمقتضى سنن الاستدراج، لكن حين حم القضاء أنجى الله شعيبا الداعية إلى الخير، وهو الذي ما كان يريد إلا الإصلاح ما استطاع، وأما قومه ف{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(المومنون : 41) .. صبرا فلكم تغريبة الغرباء المبشرين بالجنة مصداقا لحديث الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولهم من نار السموم ما قال فيه سبحانه : { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ}(هود : 100-104).

ذة. فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *