أوراق شاهدة – بــنـاة العالـم من الـمسلمين الجــدد


حين خاطب الله عز وجل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.. كان سبحانه في علمه بما كان وما سيكون يقدم بلاغا نهائيا لا سبيل لنقضه، ومفاده قوله تعالى: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل}. ولا شك في ذلك بالنظر إلى أن كل النظريات الإنسانية ظلت محدودة التأثير بل وتهاوت، وإن ارتدت مسوح التبشير بانتهاء العذابات البشرية والقبض على مفتاح السعادة التي خرجت ولم تعد كما يقال بالصيغة الأدبية الرائجة. ولم تسقط إلا لأنها لم تكن هي الحق الذي أنزل رحمة للعالمين.. بل كانت مجرد اجتهادات بشرية سمتها النسبية والقصور. ولقد أشرنا في حلقة ماضية إلى نماذج من هذا القصور مثلها علماء وفلاسفة وأدباء غربيون وضعوا نهاية تراجيدية لحياتهم، بعد معاناة مع الإحباط والانكسار ومكابدة اللامعنى في حياة أرادوها بدون الله جل وعلا واستغنى الغني عنهم، فتردوا في جب اليأس والقنوط، وكانت نهايتهم كما أسلفنا.

وفي خضم تلك الاجتهادات الإنسانية التي همشت الدين بشكل تعسفي حيث حملته تجليات كل الشقاء الإنساني، واتهمته بفرملة النمو الحضاري، ترعرعت تيارات فكرية وإيديولوجية متطرفة تمادت في الإساءة إلى الدين وأهله، فصورتهم في قالب ساخر يرشح بلادة وغلوا وكبتا وماضوية . وغدا الدين بالنتيجة مرادفا للتخلف والجمود واتهم أهله بالتبلد وهشاشة صلتهم بالحضارة و بالعلم، وألصقت اليافطة تحديدا بالمسلمين لحاجات في نفس الأفاكين ومن يدور في فلكهم . وبفعل هذه البرمجة السلبية المقصودة والمدروسة للأغراض إياها، إثاقل المسلمون إلى الأرض وقصر فهمهم عن إدراك حجم التزوير والتشويه الذي يروم المغرضون من ورائه، قتل الروح العالية التي غرسها الإسلام في نفوس المسلمين في كل محطات كتاب الله عز وجل : قال سبحانه : {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}(آل عمران : 139) والله العليم بإفك هؤلاء الخراصين، أوهن خيوطهم وشل قدراتهم على مر المحطات التاريخية لتربصهم بالمسلمين، فكلما أوقدوا نارا للدجل، قدم الله تعالى إلى ما عملوا من عمل فجعله هباء منثورا، وللكاتب الإسلامي المعروف عبد الكريم بكار كلمة فيها ما قل في مبناه ودل في معناه حول هذا المكر الميت في مهده . يقول الدكتور بكار : “إن عصا المعول التي تهدم في صرح الإسلام تحمل في أحشائها نواة لوريقة تحن إلى دين التوحيد وتصدح به”.

وبصيغة أخرى فقد سرت في أوساط المثقفين المبهورين بالسلع الغربية فكرة مفادها أن الدين يفتقد إلى العقلانية، ولا يصلح لأزمنة العلم والحداثة الجديدة، فنقض الله هذا الغزل المتهافت من خلال حالات لعلماء غربيين لهم اشتغالات واهتمامات في حقول العلوم الدقيقة ولهم أبحاث علمية في المجال الديني وتحديدا في الديانات الثلاث وشاء لهم الله الاهتداء إلى الحق، بعد حيرة وشك عظيم، وكان هذا الحق هو الإسلام ونذكر من بين هؤلاء العلماء الدكتور جاري ميلر.. وقصة اعتناقه للإسلام قصة قوية الدلالات، وتحمل في طياتها دروسا عميقة لكل باحث عن الحقيقة، كما أنها تعتبر الجواب البتار لكل الافتراءات التي تعري الإسلام من الصبغة العلمية وتجعل منه ملاذا للأغبياء والعاطفيين. فالدكتور الكندي جاري ميلر عالم في الرياضيات، وكما نعرف فالرياضيات من العلوم الدقيقة التي تعتمد آلية المنطق والبرهنة العقلية، وقد كان جاري ميلر قسيسا من أكبر الدعاة والمبشرين المتعصبين للمسيحية، وكانت له سعة علمية معتبرة في علوم الديانات، خاصة الديانة المسيحية، وله إلمام تام بتفاصيل كتاب الإنجيل فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة فيه إلا وأدرك خباياها، وبإذن من الله سيصعق جاري مريديه وأتباعه وهو يعلن اعتناقه للإسلام، وفي سابقة نوعية سيفكك الدكتور ميلر بأسلوب علمي دقيق منظومة الكذب المركب التي استند إليها أعداء الإسلام في انتقاداتهم للمنظومة الإسلامية.

وقد كان هذا العالم قبل اعتناقه للإسلام من أكبر مروجي أطروحات التشكيك في الديانة الإسلامية، وشاء له الله سبحانه في رغبته هاته أن يضرب الإسلام في العمق، أن يضرب هو في مقتل، ويكتشف مع كل حجة معادية ساقها جوابا علميا لكل الإشكالات التي طرحها . وفي سياق بحثه وجد على سبيل المثال أن كتاب الله عز وجل يذكر مريم عليها السلام، ولا يذكر عائشة ولا فاطمة رضي الله عنهما كما وجد ذكرا متواصلا لاسم نبي الله تعالى عيسى عليه السلام أكثر مما ذكر فيه اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن . وعلى المستوى العلمي المباشر توصل إلى حقيقة مذهلة مفادها أن الله تعالى يتحدى المكذبين أن يجدوا في كتاب الله اختلافا يذكر . ومن المعلوم أن هناك قاعدة علمية تعتمد مبدأ تقصي الأخطاء قبل إثبات نظرية ما …وهو المبدأ الذي يدعو الله عز وجل إلى تنزيله متحديا المتربصين بكتابه في سعيهم للعثور على ثغرة ينفذون منها إلى الدين الإسلامي لنسف عمارته من الأساس .. يقول سبحانه : {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}(هود : 13). وفي هذا السياق يقول العالم جاري ميلر: “لا يوجد في العالم مؤلف يملك الجرأة ويؤلف كتابا ثم يقول : هذا الكتاب خالي من الأخطاء، ولكن القرآن على العكس تماما يقول لك لا توجد أخطاء بل ويعرض عليك أن تجد فيه أخطاء ولن تجدها”. وفي حلقة قادمة سنتوقف عند صور الإعجاز العلمي في كتاب الله عز وجل والتي جعلت العالم الكندي جاري ميلر يرتبط بالإسلام ارتباطا روحيا عميقا جعلته ضمن كوكبة الدعاة غزيري المادة الدعوية والموجودين بقوة في حقل الدعوة .. ونحن المسلمين بحاجة ملحة للتعريف بهذه الثلة المباركة من بناة العالم من المسلمين الجدد، من الذين يتخلون دون أدنى شعور بالندم عن حياة الدعة والعبث والمتع ويعانقون حياة البساطة والجهد للدين حبا في الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، في الوقت الذي يُجَن فيه أبناؤنا ويصابون بالسعار إذا لم يتحقق حلم التحاقهم بالفردوس الغربي وهم على استعداد لتغيير حتى ديانتهم، للخروج من ” لعنة ” الفقر والبؤس على حد تعبيرهم. وصدق ذلك الرجل الحكيم والذي قال ذات يوم : ((عجبت للناس يعزون من مات جسده ولا يعزون من مات قلبه)).

ذة. فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *