ما قبل هجرة المصطفى


 

بعد أيام يحل عام هجري جديد يذكرنا بهجرة رسول الله من مكة إلى المدينة من أجل تبليغ دعوة ربه هناك، بعد أن تنَكَّر له قومه وحاربوه، ليل نهار، عقلاؤهم وسفهاؤهم على حد سواء.

ما قبل هجرة المصطفى كان فترة زمنية عصيبة، عاشها رسول الله بمكة وما حولها، لكنه كان فيها شامخا أبِيّا داعيا إلى الله على بصيرة.

أخرج الإمام أحمد في المسند عن جابر رضي الله عنه : “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتَّبَّع الحاجَّ في منازلهم في الموسم، وبمجَنَّة، وبعُكاظ، وبمنازلهم بمنىً، يقول : (من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة؟) فلا يجد أحدا ينصره ويؤويه، حتى إن الرجل يَرْحَل من مُضر، أو من اليمن، إلى ذي رَحِمِهِ فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك. ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله عز وجل له من يثرب، فيأتيه الرجل فيؤمن به، فيُقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور يثرب إلا فيها رهط من المسلمين، يظهرون الإسلام….”

إن هذا الحديث يُبَيِّن أمرين عظيمين:

أولهما: أن أعداء الدعوة، من كفار قريش وغيرهم، قد نجحوا كل النجاح في صنع رأي عام ضد هذه الدعوة وصاحبه ، ليس في مكة وحدها، بل في أماكن عديدة من الجزيرة العربية، حتى صار الناس يشيرون إليه بالأصابع، هروبا منه وتنكُّرا لدعوته.

وثانيهما: أن الرسول لم يستكن ولم يستسلم، رغم الأذى الذي كان يلحقه، بل ظل حريصا كل الحرص على تبليغ دعوة ربه لإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، دون أن يسأل أجراً أو مكافأةً عن ذلك مِنْ أيِّ أحدٍ من المخلوقات، وإنما كان مرادُه استجابةَ أمر ربِّه ورضاه تعالى عنه، مبَشِّراً من يُعينه بالجَنَّة لا بشيء مادي آخر.

وبالتأكيد فإن في هذا الحديث الـمُجمِل لِسلسلة طويلة من الأحداث عدة دروس وعِبَر للسالكين، منها:

1- أن الداعي إلى الإسلام لا ينبغي أن يحصر ذاته في بروج مشَيّدة مكيَّفَة، ينتظر من يأتيه من السائلين من أجل فتوى، يفتيه فيها من وراء حجاب، دون معرفة لواقع ولا لـِحيْثيات، بل عليه أن يغشى الناسَ في مساجدهم وأسواقهم وأنديتهم، وحتى في مقاهيهم، ليَعْرِضَ عليهم الإسلام ويدعوهم إلى عدله وصفائه وسماحته، بسلوكه وأفعاله، قبل أقواله وكلامه.

2 – أن سبيلَ الدعوة إلى الله سبيلٌ شاقَّة محفوفة بالمكاره، قد يتعرض سالكها إلى الكثير من الأذى، يتنوع بتنوع طبيعة الزمان والمكان، ولو كان أحد من الدعاة بمنجاة من ذلك لكانَهُ رسولُ الله الذي كان يأكُل الطعام ويمشي في الأسواق، يدعو قومه إلى الحق والهُدَى والنور وهم يشيرون إليه بالأصابع نبْزاً ولـمْزاً واستهزاءً، ومع كل ذلك لم يُثْنِه عن مُهمته، بل زاده عزما وإصرارا على تبليغ رسالة ربه.

3 – عدم اليأس والقنوط بدعوى عدم استجابة الناس؛ فهذا رسول الله وهو مؤيَّدٌ بالوحي من عند ربه عز وجل بعد البعثة، فضلا عن شهرته، قبلها وبعدها، بالأمانة والصدق والعفَّة والرحمة وغير ذلك مما وصفه الله تعالى من الخُلُق العظيم، ومع ذلك يمكث بين بني قومه الذين عرفوه بهذه الصفات كلها، وهو يدعوهم طوال عشر سنوات، دون أن يستجيب له إلا العدد القليل منهم، إلى أن هيأ الله له أهل يثرب من الأنصار، الذين آووه ونصروه حتى أقام دولة الإسلام.

4 – أن للباطل جولة، ثم لا بد أن ينكسر، وقد يصبح أهله دعاة إلى الحق إن كانوا من الأخيار وفقهوا ما هم عليه، لكن بشرط واحد وأساسي وهو صبر الدعاة. ذلك أن كفار قريش ومن والاهم وظفوا كل طاقاتهم الإعلامية لِصَدِّ الناس عن الإسلام، وقد أفلحوا في ذلك ردحا من الزمن. لكن ما لبثوا أن دخلوا في دين الله أفواجا، بل إنهم أصبحوا داعين فاتحين ناشرين لدين الله في الأرض، وكل ذلك كان بفضل ثبات رسول الله وصبره هو ومن معه من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

هذه بعض القبسات مما يوحي به الحديث السابق الذي يبين أن مرحلة ما قبل الهجرة منارة مهمة ينبغي أن يستنير بها الداعي إلى الله تعالى حتى تكون دعوته إليه على بصيرة.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *