اَلْبَيانُ النَّبَوِيُّ


اَلْبَيانُ إِحْضارُ الْمَعْنى لِلنَّفْسِ بسُرْعَةِ إِدْراكٍ، والْكَشْفُ عَنْهُ حَتّى تُدْرِكَهُ مِنْ غَيْرِ عقْلَةٍ. وإِنَّما قيلَ ذلِكَ لأَنَّهُ قَدْ يَأْتي التَّعْقيدُ في الْكَلامِ الدّالِّ، ولا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْبَيانِ(1 والبَيانُ مَصْدَرُ “بانَ الشَّيْءُ”، بِمَعْنى تَبَيَّنَ وظَهَرَ، أَوْ هُوَ اسْمٌ مِنْ “بَيَّنَ”، كَالسَّلامِ والْكَلامِ مِنْ “سَلَّمَ” و”كَلَّمَ”، ثُمَّ نَقَلَهُ الْعُرْفُ إِلى ما يتبيّنُ بِه مِنَ الدّلالةِ وغَيْرِها، ونَقَلَه الاصْطِلاحُ إِلى الفَصاحةِ وإلى مَلَكَةٍ أو أُصولٍ يُعْرفُ بِها إيرادُ المَعْنى الواحِدِ في صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ… وَ قَدْ يُطلَقُ عَلى نَفْسِ التَّبْليغ(2)، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: {?وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}(إبراهيم : 4)(3).

فموْضوعُ البَيانِ هو الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ، وصاحِبُه يُسْألُ عنْ أحْوالِهِما اللّفْظِيّةِ والمعْنوِيّةِ(4) .

والْبَيانُ صِفَةٌ دلالِيَّةٌ في السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَ هُوَ بَعْضُ السُّنَّةِ، وَ جُزْءٌ مِنْها؛ لأَنَّ السُّنَّةَ قَوْلٌ وفِعْلٌ وتَقْريرٌ وصِفَةٌ، والْبَيانُ قَوْلٌ وإِفْصاحٌ وتَصْريحٌ بِاللِّسانِ . ويَعْنينا هُنا مِنَ السُّنَّةِ شَطْرُها الْقَوْلِيُّ؛ لأَنَّ الْقَوْلَ مَناطُ الْبَلاغَةِ النَّبَوِيَّةِ.

والسُّنَّةُ بَيانٌ لِلْقُرْآنِ أَوْ زِيادَةٌ عَلى ذلِكَ(5)، قالَ اللهُ تَعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}(النحل : 44).

ولَقَدْ كانَ النّبِيُّصلى الله عليه وسلم مُبيِّنًا بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ وإِقْرارِه، لِمَا كانَ مُكَلَّفًا بِذلِكَ، فَكانَ يُبَيِّنُ بِقَوْلِهِصلى الله عليه وسلم، كَما رُوِيَ عَنْه في حَديثِ الطَّلاقِ : ((فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ))(6)، ورُوِيَ عَنْهصلى الله عليه وسلم أنّه قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها حينَ سَأَلَتْهُ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعالى : {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا}(الانشقاق : 8) : ((إِنَّما ذلِكَ الْعَرْضُ))(7) ففيه دَليلٌ عَلى تَخْصيصِ الكِتابِ بالسّنّةِ، وأنّه مِن السّنّة أنّ مَن سَمعَ شيئًا لا يَعرِفُه فليُراجِعْ فيه حتّى يعرِفَه، مثلَما جاءَ في هذا الحَديثِ أنّ عائشةَ رضيَ الله عنها كانت لا تَسمعُ شيئًا لا تَعرِفُه إلاّ راجَعَتْ فيه حتّى تَعرِفَه؛ ولو لَمْ يكنْ من السّنّةِ لَما أقرّهاصلى الله عليه وسلم عَلى ذلِكَ، وليسَ هذا لعُمومِ النّاسِ، ولكِنْ لِمَنْ فيه أهْلِيّةٌ، وأنّه قالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ : ((آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ))(8): ((إِنَّما عَنَيْتُ بِذلِكَ كَذا وكَذا))(9). وكانَ أَيْضًا يُبَيِّنُ بِفِعْلِهِ : ((أَلا أَخْبَرْتِها أَنّي أَفْعَلُ ذلِكَ))(10). ومِنْهُ أَيْضًا شُرْبُهُ قَدَحَ لَبَنٍ وَ هُوَ عَلى بَعيرِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، بَيانًا لِعَدَمِ مَشْروعِيَّةِ الصَّوْمِ في عَرَفَةَ للواقِفِ فيها يَوْمَها . وبَيَّنَ لَهُمْ كَيْفِيَّةَ الصَّلاةِ والحَجِّ بِفِعْلِهِ : ((صَلّوا كَما رَأَيْتُموني أُصَلّي))(11)، و((خُذوا عَنّي مَناسِكَكُمْ))(12) …

والبَيانُ بالفِعْلِ قَد يَكونُ أبْلَغَ في الإيضاحِ(13)، وأقْوى مِنَ القَولِ(14)، وأوْقَعَ في نَفْسِ السّامِعِ مِنَ القَوْلِ وَحْدَه(15). ——-

1- اَلْعُمْدَةُ في مَحاسِنِ الشِّعْرِ وآدابِهِ ونَقْدِهِ)، لأَبي الحَسَنِ بْنِ رَشيقٍ الْقَيْرَوانِيّ (ت.456) تَحْ. مُحَمَّد مُحْيي الدّين عَبْد الْحَميد، دار الرَّشادِ الْحَديثَةِ، الدّار الْبَيْضاء . 1/254 .

2- اَلْكُلِّيّات: 230)، مُعْجَمٌ في الْمُصْطَلَحاتِ  والْفُروقِ اللُّغَوِيَّةِ، لأَبي البقاءِ أيّوبَ بْنِ موسى الكَفَوِيّ، أعدّه للطّبع: د.عدنان درويش ومحمّد المصري، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط/1، 1412هـ-1992م .

3- هذا وقَدْ مَرَّ مُصْطَلَحُ “البَيان” بثَلاثِ مَراحِلَ عَلى وجْه الإجْمالِ :

– فَقَد اسْتُخْدِمَ في الأوّلِ بِمَعْناه اللّغويّ المألوفِ الذي يَعْني الكَشْفَ والإيضاحَ والدّلالَةَ الظّاهِرَةَ عَلى المَعْنى الخَفِيّ .

– ثُمّ اسْتُخْدِم مُرادِفاً لِمُصْطَلَحِ البَلاغَةِ، بِمَعْنى العِبارَة الفنّيّة أوالتّعبير الجَميل.

– ثُمّ أطْلِقَ أخيراً وأريدَ بِه قِسْمٌ مِن أقْسامِ البَلاغَةِ الثّلاثَةِ، ومَعْناه الصّورَة المَجازِيّة، وسَيُسْتَخْدَمُ مُصْلَحُ “البَيان” في هذا البَحْث بِمَعانيه المُخْتَلِفَة، بِحَسَبِ السّياق؛ فَقَد يُطْلَقُ ويُرادُ بِه مُجَرّدُ الكَشْفِ والإيضاحِ، وقدْ يُجاوَزُ بِه هذا المَعْنى إلى مَعْنى العِبارَةِ الأدبِيّةِ البَليغَةِ، وقد يُطلَقُ ويُرادُ بِه الصّورَةُ المَجازيّةُ التي تَخْرُجُ عَنْ إطارِ التّعبيرِ المُباشرِ إلى الإيحاءِ والتّصويرِ . انظُرْ في التَّعْريفِ بدلالاتِ البَيانِ : (الصّورة البَيانِيّة في التُّراثِ البَلاغِيّ: 19) د. حَسَن طبل، مَكْتَبَة الزَّهْراء، القاهِرة، 1985 م. وانْظُرْ مَعاني البَيانِ في الأدبِ والنّقْدِ والبَلاغَةِ العَرَبِيّة، كِتابَ (عِلْم البَيان، دِراسَة تاريخِيّة في أصولِ البَلاغَةِ العَرَبِيّة: 16…) د. بَدَوي طبانَه، دار الثَّقافَة، بَيْروت، 1401-1981، وكِتابَ : (عِلْم البَيان) د. عَبْد العَزيز عَتيق، دار النَّهْضَة العَرَبِيّة للطِّباعَة والنَّشْر، بَيْروت، 1974هـ .

4- انْظُرْ : (المَثَل السّائِر: 1/37) لِضياء الدّين بنِ الأثير (ت.637) تح. د. أحْمَد الحوفي ود. بَدَوي طبانَة، دار نهضة مصر للطّبع والنّشر، القاهرة .

5- اَلْمُوافَقاتُ في أُصولِ الشَّريعَةِ: 4/7)، لأبي إسْحاق الشّاطِبِيّ، ضَبْط : ذ. مُحمّد عبْد الله درّاز، ط/ دار المعرفة للطّباعة والنّشر بيروت .

6- رواه مُسْلِم، وَرَدَ في صَحيحِه : ((حدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال: قرأت على مالك بن أنس عن نافع عن بن عمر أنه طلق امرأته وهى حائض في عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال له رسول اللهصلى الله عليه وسلم : مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمَسَّ فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء))(صحيح مسلم: 2/1093)، مُراجَعَة مُحمّد فؤاد عبْد الباقي، دار إحياء التّراث العربي، بيروت 1374-1954.

7- أَورَدَه البخاري في صحيحه في باب من سمعَ شيئًا فَراجَع : ((عن سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا نافع بن عمر قال حدثني بن أبي مليكة أن عائشة زوج النبيصلى الله عليه وسلم ثم كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه وأن النبيصلى الله عليه وسلم قال من حوسب عُذٍّب قالت عائشة: فقلت: أوَ ليس يقول الله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا؟ قالت: فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك )) (صحيح البخاري: 1/51).

8- عن أبي هرُيرَةَ رضي الله عنه قالَ : قالَ رَسولُ اللهصلى الله عليه وسلم : ((مِنْ عَلاماتِ المنافِقِ ثَلاثةٌ، إذا حَدّثَ كَذَبَ وإذا وَعَدَ أخْلَفَ وإذا ائْتُمِنَ خانَ)) رواه مسلم في (صحيح مسلم: 1/78) والبخاري في (صحيح البخاري: 1/21) في كتاب الإيمان .

9- رَواه الشَّيْخانِ .

10- بابُ ما جاءَ في الرُّخْصَة في القُبْلَة للصّائِمِ : عَنْ يحيى عَن مالِكٍ عَن زَيدِ بنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاءِ بنِ يَسارٍ أنّ رَجلاً قَبَّلَ امْرَأتَه وهو صائمٌ في رَمَضانَ فَوَجدَ مِنْ ذلك وَجْداً شَديداً فأرْسَلَ امْرَأتَه تَسْألُ لَه عَن ذلكَ فَدَخَلَت عَلى أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبيِّصلى الله عليه وسلم فَذَكَرَت ذلكَ لها فأخْبَرَتْها أمُّ سَلَمَةَ أنَّ رَسولَ اللهصلى الله عليه وسلم  يُقَبِّلُ وهُوَ صائمٌ فَرَجَعَت فَأخْبَرَت زَوْجَها بذلكَ فَزادَه ذلكَ شَرّاً وقالَ لَسْنا مِثْلَ رَسول اللهصلى الله عليه وسلم، الله يُحِلُّ لِرَسولِ اللهصلى الله عليه وسلم  ما شاءَ، ثُمَّ رَجَعَت امْرَأتُه إلى أمِّ سَلَمَةَ فَوَجَدَت عِنْدَها رَسولَ اللهصلى الله عليه وسلم  فَقالَ رَسولُ اللهصلى الله عليه وسلم: ما لهذِه المرْأةِ ؟ فأخْبَرَتْه أمُّ سَلَمَةَ فَقالَ رَسولُ اللهصلى الله عليه وسلم  ألا أخْبَرْتِها أنّي أفْعَلُ ذلِكَ، فَقالَتْ: قَدْ أخْبَرْتُها فَذَهَبَت إلى زَوْجِها فأخْبَرَتْه فَزادَه ذلكَ شَرّاً وقالَ: لَسْنا مِثْلَ رَسولِ اللهصلى الله عليه وسلم، الله يُحِلُّ لِرَسولِهصلى الله عليه وسلم ما شاءَ. فَغَضِبَ رَسول اللهصلى الله عليه وسلم وقالَ : واللهِ إنّي لأتْقاكُمْ لله وأعْلَمُكُمْ بحُدودِه . (مُوَطَّأ مالِك: 1/291) أبو عَبْدِ الله مالِك بنُ أنَسٍ الأصبحيّ (ت.179) تح. محمّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر . وانظر : (التَّمْهيد:5/107) أبو عُمَرَ يوسُفُ بْنُ عبدِ الله بْنِ عبدِ البَرِّ النَّمَرِيّ (ت.463)، تح. مصطفى بن أحمد العلوي، وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلامية، المغرب، 1387هــ .

11- مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

12- رَواهُ مُسْلِم .

13- “البَيانُ بالفِعْلِ أبْلَغُ في الإيضاحِ”، و”الفِعْلُ” تَعُمُّ فائدَتُه السّائِلَ وغَيرَه (عَوْنُ المعْبود شَرْح سُنَن أبي داود: 2/48)، لأبي الطّيّب آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.2 / 1415 .

14- هذا قولُ الفاكِهانِيّ في خُصوصِ فِعْلٍ من أفعالِ النّبِيِّصلى الله عليه وسلم، وهُوَ حَمْلُه أُمامَةَ عَلى عاتِقِه الشَّريفَةِ وهُو قائِمٌ يُصَلّي، وفي هذا الفِعْلِ سِرٌّ بَليغٌ وهُوَ دَفْعُ ما كانَت العَرَبُ تعْتادُه مِن كَراهَةِ البَناتِ وحَمْلِهِنَّ فَخالَفَهُم في ذلِكَ حَتّى في الصَّلاةِ لِلْمُبالَغَةِ في رَدْعِهم . انْظُرْ تَعْليلَ الفِعْلِ في (فَتْح الباري بِشَرْحِ صَحيحِ البُخارِيّ: 1/592).

15- كَذا ذَكَرَه ابنُ حَجَرٍ مُعَلِّقاً عَلى حَديثِ البُصاقِ قِبَلَ القِبْلَةِ (فَتْحُ الباري: 1/509) لابنِ حَجَرٍ العَسْقَلانِيّ، تح. محمد فؤاد عَبْد الباقي، ومحبّ الدّين الخَطيب، دار المَعْرِفة، بَيْروت، 1379هـ .

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *