رسالات الهدى الـمنهاجي في سورة “ق”(13)


خطوات منهجية للقيام بالمهمة الدعوية

قال الله جلت حكمته : {وكم اهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقّبوا في البلاد هل من محيص. إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد. ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب. فاصبر على ما يقولون وسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. ومن الليل فسبّحه وإدبار السجود. واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير. يوم تشقّق الارض عنهم سراعا ذلك حشر  علينا يسير. نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}

1- الهدى  الـمنـهـاجـي:

وهو هنا في ست رسالات، تعرض أهم الخطوات المنهاجية، التي على المؤمن الداعية أن يتحلى بها عند القيام بدعوته في الناس، إذ بالتخلق بها والثبات عليها يكون الوصول إلى الهدف. وهي :

الرسالة الأولى : في أن الذكرى والتذكر والاعتبار، إنما يحصل لأصحاب القلوب الحية، والفطر السليمة، أو لمن استمع لخطاب القرآن بكليته الوجدانية والعقلية، حتى ولو كان قلبه مريضا، ذلك أن القرآن كفيل بعلاج أسقام القلوب. فلا يمل الداعي من إلقاء كلماته على الناس أبدا. فمن قُدر له أن يهتدي فستنبعث فطرته -بإذن الله- حية معافاة في يوم ما، وسيستجيب لنداء الله إن شاء الله. ومن ثم وجب الانتباه إلى أهمية مخاطبة الفطرة الكامنة في الإنسان، بما يصلحها ويخرجها من تشوهاتها. وليس كالقرآن أنفع لذلك وأصلح. إنه الكتاب الأوحد الذي يطرق القلوب بكلماته، ويرش لطائف الفطرة النائمة، أو العليلة، بماء الحياة حتى تستيقظ! إنه لا حد لطاقة القرآن العظيم! ولا شيء سواه أبلغ في بث الذكرى في القلوب.

الرسالة الثانية : في أن الواجب على المؤمن أن يقرأ للناس أحداث التاريخ، ويعرضها لهم من خلال منظار القرآن، وأن يفسر كل حركاته الاجتماعية والكونية بمنطق القرآن الرباني، ذلك أن الوصول إلى التحقق بمقام قراءة كتاب الحياة، من خلال نظارات القرآن، هدف تربوي عظيم، لأن معنى ذلك أن العبد قد صار أعرفَ بالله، وترقى في مراتب العلم به تعالى درجات فصار لا يفسر شيئا في الوجود البشري والكوني إلا مربوطا بمشيئة الله! وتلك غاية دعوية إصلاحية أصيلة، وعقيدة يجب أن تصبح ثقافة سلوكية في المجتمع الإسلامي عامة. وهو مسلك مهم جدا، من مسالك تحقيق مناطات القرآن الكريم في الأمة، وتيسير الدخول تحت شريعته من جديد، إن شاء الله.

الرسالة الثالثة : في أن الصبر في أمور الدين والدعوة، إنما يتم لصاحبة إذا كان قائما على التزود من بركات الصلاة، فرائضها ونوافلها، والاستمداد الدائم لواردات الغيب، من مَعين الإيمان بالله واليوم الآخر.

فأما الصلاة فقد عُلم مدى قوتها الروحية -إذا أُديت على وجهها- في إعداد”عبد الله” بحق! وتزويده بما لا قبل له به من قوة اليقين وإن ذلك لهو أُسُّ الصبر على ضروب المحن والفتن، ولذلك قال تعالى في سورة البقرة : {واستعينوا بالصبر والصلاة  وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}(البقرة ك 45). وقال سبحانه : {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين}(البقرة : 153). وقال هنا في سورة ق : {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وإدبار السجود}. وقد بينا أن المقصود بالتسبيح هو الصلاة. فثبت أن تحقيق أفعال الصلاة، خاصة من ذلك خشوعها، وخضوعها، ومناجاتها، وتسبيحاتها، هو أعظم وارد رباني لاستمداد الصبر الجميل على كل حال.

وأما الإيمان بالله واليوم الآخر، فهو المصدر العقدي الأول للصبر، والمطلوب هو استحضار حقائق هذه العقيدة في النفس على كل حال، ومشاهدة أنوار الأسماء الحسنى منعكسة على كل شيء، ومعرفة آثار الربوبية على كل حركة في الكون، وكذا ترقب ساعة الآخرة في كل لحظة! فهذه الحقائق ليست تصورات تُعتقد فحسب، ولا مجرد معان تُصدق، ويُقر بها القلب واللسان وينتهي الأمر، كلا كلا! بل هي ههنا مجاهدة نفسية ومكابدة، لأن تزكية النفس حتى يكون إيمانها بالله واليوم الآخر على مقام المشاهدة والترقب، إنما هو مقام الإحسان، الذي معناه : “أن تعبد الله كأنك تراه”(متفق عليه)، وهو المقام نفسه المشار إليه ـ بالنسبة للشعور الأخروي ـ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : “كيف أَنْعَمُ وصاحبُ القَرْن، قد التقم القَرْنَ، واسْتَمَعَ الإذْنَ متى يُؤْمَرُ بالنَّفْخ فيَنْفُخُ؟” فكأن ذلك ثَقُلَ على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم : “قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا”(حديث صحيح، سبق تخريجه مفصلا بالمجلس السابق).

هذه الحقائق هي موارد الصبر الدعوي حسب سياق الآيات في سورة “ق”. ولا شك أن موارده في كتاب الله كثيرة، منها الاعتبار بحياة الرسل والأنبياءـ عليهم الصلاة والسلام ـ وبمجاهدات الصديقين والشهداء. قال تعالى : {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}(الأحقاف: 35).

الرسالة الرابعة : في أن المؤمن الداعية رجل أخروي، ينظر إلى الحياة الدنيا بعين الآخرة، وإنما هو يعرض للناس مشروعه على أنه دعوة إلى الحياة الآخرة. ولقد كان أول خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في الناس لما صعد على الصفا فجعل ينادي : “يا بني فِهْر! يابَنِي عَدِيٍّ!” لبُطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا، لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :”أرأيْتَكُمْ لوْ أخبرتكم أن خَيْلا بالوادي تريد أن تُغيرَ عليكم، أكنتم مُصَدِّقيَّ؟” قالوا : نعم، ما جرَّبنا عليك إلا صِدقا! قال : “فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد! “(متفق عليه).

فعلى هذا الأساس العقدي العظيم، وجب أن يبني الداعية خطابه، وأن يسوق أدلته وشواهده. وإن ذلك لهو منهاج دعوة الرسل جميعا كما هي مفصلة في القرآن، وأساس خطاب الرحمن للبشرية في كل زمان. إنه الاستعداد لليوم الآخر، بالعمل على تصريف جميع شؤون الحياة الإنسانية عليه، الفردية والاجتماعية سواء.

الرسالة الخامسة : في كون حقيقة الدعوة الإسلامية إنما هي تمكين خطاب القرآن من الوصول إلى القلوب، وطرق أبوابها بآياته وكلماته : {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}. ذلك أنه قد تقرر في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن القرآن هو المادة الرئيسة لدعوة الإسلام، وأن من أهم مظاهر العمل الدعوي، والتجديد الديني، بعث التداول الاجتماعي للقرآن الكريم، على جميع المستويات التربوية، والتعليمية، والتشريعية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية…إلخ، إن معنى دعوة الإسلام هو إيصال كلمات الله إلى كل مكان! وطرق جميع الأبواب بها على منهج القرآن، طرقا لا يمل ولا يكل، حتى تُحقق الأمة هجرتها من جديد، وتشرق شمس القرآن على العمران!

الرسالة السادسة : في أن الرفق، والشفقة، والتمتع بأخلاق السلوك الاجتماعي، وأدب الحوار، كل ذلك هو أساس نجاح الداعية إلى الخير. وأن الصبر على الأذى النفسي والمادي لهو من أرفع مراتب الأخلاق ولا يكون الإنسان رفيقا شفوقا إلا إذا كان صابرا.

ومن ثم فلابد للداعية من مخاطبة مدعويه برفق، وأن يقول لهم قولا لينا، يعتمد أساليب التقريب والتحبيب، دون التضجير والتنفير. وهذا لا يتنافى مع خطاب النذارة باليوم الآخر. بل هما يجتمعان ويلتقيان في حقيقة واحدة، بحيث يحدث الداعية الناس بحقائق الآخرة، من خلال مشاعر الإشفاق والمحبة، والحرص على نجاتهم ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد حدَّث قومه ـ عليه الصلاة والسلام ـ حديث أبوة وأخوة، وحنو بالغ، وعطف شديد. وأمثلة ذلك في السنة النبوية كثير.. ولك أن تتأمل هذا الحديث الشفيف الرفيق، الأَسِيفَ اللطيف، من قوله صلى الله عليه وسلم : “إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله، جعل الجَنادِبُ والفَرَاشُ وهذه الدَّوابُّ التي تقع في النار يَقَعْنَ فيها فجعل ينزعهن، ويَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْن فيها فأنا آخُذُ بِحُجَزِكُم عن النار : هَلُمَّ عن النار! هلم عن النار! وأنتم تَفَلَّتُون من يَدِي فتغلبوني، تَقَحَّمُون فيها!”(متفق عليه. وهو حديث مركب من روايتين في الصحيحين، إحداهما لأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم والأخرى لجابر بن عبد الله عن  صلى الله عليه وسلم.

ذلك هو مَثَلُ الرفق الدعوي والإشفاق النبوي، الذي مارسه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في دعوته. ولا شك أن مخالفة هذا المنطق القرآني الكريم -خاصة في دعوة تجديد الدين بين المسلمين- لا يقود إلا إلى فساد مبين! ذلك، وإنما الموفق من وفقه الله.

2- مـسـلـك  التخـلـق :

ومسلك التخلق هنا دائر حول كيفية التحقق بشخصية دعوية قرآنية ربانية، تتخلق بأخلاق القرآن، وتسلك في دعوتها إلى الله عبر مدارج  الصبر الدعوي، وعبر مسلك الصلاة، على مدار الليل والنهار، وتعيش عمرها ودعوتها بأحوال الآخرة، رافعة في الناس راية القرآن، تلقيا وبلاغا. فتثبت على ذلك حتى تلقى الله. تلك هي الصورة النموذجية للداعية الرباني، التي مثَّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على مقام النبوة والرسالة، ومثَّلها الصحابة الكرام  -رضوان الله عليهم- تأسيا بدعوته صلى الله عليه وسلم، على مقامات الصديقية، والشهادة على الناس.

وتلك هي غايتنا في هذا الدرس القرآني العظيم وإنما لها مسلك عملي واحد رئيس، ألا وهو الدخول في مدرسة القرآن! وإخضاع النفس لمقارضها التربوية، تهذيبا وتشذيبا، وتَلَقِّي لَبِنَات التزكية لعمران الروح من كلمات الله، على ما بيناه في مدخل الكتاب وخلال مجالسه. ذلك مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان خُلقه القرآن، وهو الطابع العام المميز لجيل القرآن الأول، جيل الصحابة الكرام، رضي الله عنهم أجمعين.

3- خــاتـمـة :

إن ما اشتملت عليه سورة “ق” من حقائق الإيمان الكبرى، وأصوله العظمى، جعلها من أهم السور تعبيرا عن رسالة القرآن على الإجمال، ولذلك فقد ابتُدئت بقسم الرب  عز وجل بالقرآن، ثم اختُتمت بالتذكير بالقرآن، منهاج دعوة ومنهاج دين وكأن في ذلك إشارة إلى أن مضمونها هو مدار كل قضايا القرآن ورسالته!

وإن اشتمالها على قضايا توحيد الرب عز وجل في خالقيته، وفي جميع أسمائه وصفاته، وإسناد جميع مظاهر الوجود لإبداعه وصنعه، ودقة تقديره، وحكمة تدبيره، ودورانها على عقيدة البعث والنشور، والحشر والحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار، والترهيب من ذلك كله والترغيب بخطاب إلهي مباشر قوي مبين، ليجعل سورة “ق” هي سورة البيان الإسلامي العام، الذي تجب تلاوته على جموع المسلمين في كل المناسبات، تذكيرا بحقيقة هذا الدين، وبطبيعته الأخروية!

ولذلك فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها على الناس في المجامع الكبار، كأيام الجُمَع والأعياد، كما هو ثابت في السنة، فعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها قالت : “لقد كان تنورنا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا، سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت {ق والقرءان المجيد} إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر، إذا خطب الناس !)(رواه مسلم)، وعن عبيد الله بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي : ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر؟ فقال : كان يقرأ فيهما ب{ق والقرءان المجيد}، و{اقتربت الساعة وانشق القمر}(القمر :1).

وفي ذلك دلالة على أن البيان الإسلامي الذي وجب على الداعية إذاعته في الناس، إنما هوـ كما ذكرنا ـ بيان أخروي، ونذارة قرآنية، لأن ذلك هو أساس كل مشروع إسلامي، وأصل كل تجديد ديني. ولا نجاح لدعوة لم تؤسس هذه العقيدة العظيمة في النفوس، ولم تضع لبناتها الأولى على أصل متين، ولم تغرس جذورها في عمق التربة النفسية والاجتماعية للأمة  !ذلك، وإنما الموفق من وفقه الله.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *