تقويمنا الهجري المهجور..!!


هل هلال شهر الله المحرم الحرام، وسينطلق معه العام الرابع والثلاثون بعد أربعة عشر قرنا من الهجرة النبوية المظفرة، هذا الحدث العظيم الذي جعل مولانا أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقره تاريخا وحيدا نؤرخ به لوقائعنا وأحداثنا، ونرتب به وعلى أساسه شؤون حياتنا، حتى فسح (إخواننا) للتقويم الغربي واحتل مكانته في واقعنا، بل وفي قلوب كثير من بني جلدتنا، واستمرت المدافعة بينهما حتى أصبح تاريخنا غريبا عنا وعن أولادنا في وطننا، وهمش في مؤسساتنا، حتى وصلنا إلى مرحلة لا نعرف فيها عن الهجرة الحدث وما يتصل بها إلا تلك الاحتفالات البهلوانية والطقوس الشكلية، حيث يجتمع الناس وينصرفون، وقد أنستهم الشياطين ذكر تاريخهم، وهجرة نبيهم، ومجريات أحداث أُمتهم، وما توحي به من دروس وعبر وما يترتب عليها من وفاء مستحق، وما تسطره من ذكريات المجد والخلود على صفحات التاريخ المشرق، الذي يذكر الأمة بأيام الله.
ونحن نعيش وبين أحضاننا الغزو الثقافي الوافد الذي كشف عن مخالبه ضد الإسلام وتراثه على امتداد هذا القرن الأخير، حتى وسم بقرن المَذلة والهزيمة المخزية، تكبد فيها المسلمون الخسائر تلو الخسائر، والنكبات بعد النكبات، حتى أصبحنا نتنفس مع الهواء الضروري للحياة روائح الهزيمة المزكمة للأنوف التي تنبعث من الهوة السحيقة التي تردَّت فيها الأمة المسلمة، ومن خلال هذه الفترات العصيبة التي تجتازها أمتنا، ومعها كتاب ربها العظيم جل في علاه، وسنة نبيها الكريم صلى الله عليه وسلم، نسأل الله تعالى أن يكشف ما بالأمة من غم، وأن يخلصها من هذه الأغلال، ومن هذه المحن الروحية والنفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تجثم على صدرها. ولا سبيل للخلاص إلا بالعودة إلى التاريخ المجيد، نقلب صفحاته ومحطاته، ونستلهم دروسه ومنجزاته، لعلنا نقتنع بعظمته لنسير على نهج صناعه.
من منا لا يتذكر سنواته الأولى في المدرسة حيث كنا نستهل يومنا الدراسي بكتابة التاريخ الهجري على اليمين وبعده التاريخ الغربي على اليسار، وشتان بين اليمين واليسار في ميزان الله تعالى؟، من منا لا يلاحظ وهو يتصفح مؤلفات علمائنا الأفذاذ عبر القرون ذلك التأريخ بالتقويم الهجري دون أن يزاحمه ذلك التقويم الدخيل؟، من منا لا يقشعر بدنه عندما يقرأ أحداث الهجرة الميمونة ليستلهم دروس التضحية والفداء من أولئك الأبطال الذين عبدوا لنا طريق الإسلام؟ إن دواعي الرجوع إلى التقويم الهجري كثيرة جدا، منها أن عباداتنا مرتبطة بالتقويم الهجري، وهل خلقنا إلا للعبادة {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون}، فالصيام لا يصح إلا برؤية هلال رمضان، والإفطار لا يصح إلا برؤية هلال شوال، والحج لا يكون إلا في ذي الحجة ولا يجوز في غيره من الشهور، والزكاة لا تجب إلا بعد مرور الحول ولا يتم إلا بالشهور القمرية، والعشر الأواخر من رمضان وفيها ليلة هي خير من ألف شهر لا تكون إلا في رمضان، وهو من الشهور القمرية، والعشر الأولى من ذي الحجة التي يفوق العمل الصالح فيها الجهاد في سبيل الله، وفيها يوم عرفة ويوم النحر. إن حلول السنة الهجرية فرصة لنا للمصالحة مع تاريخنا المجيد، وفرصة للتوبة من استعمال التقويم الغربي الدخيل، فتاريخنا الهجري هو هويتنا، وأما اعتماد التقويم الغريب فأحد أدلة الانهزام والضعف الشديد، وأما من يطالب بإلغاء التاريخ الهجري المجيد فإنما يطالب بإلغاء مجد تليد، ونكران لجميل جيل قرآني فريد.

عبد الحميد الرازي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *