مع سنة رسول الله – المسلمون.. وبشائر النصر


عن تميم بن أوس الداري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بِـعِـزّ عزيز وذل ذليل عِـزاً يعز الله به الإسلام وذلا يذل به الكفر))(1).

جاء هذا الحديث في بشرى انتصار الإسلام وانتشاره في أرجاء الأرض ، ولكن لماذا هذا الموضوع؟ وما الداعي إليه؟ دواعي الحديث عن بشائر النصر لا بد أن نتحدث بكل يقين عن النصر القادم وليس يمنعنا ما نحن فيه من خُـلوّ أسبابه أن نتحدث عنه، وليس يدفعنا إلى الحديث عنه مجرد الشوق إليه والحاجة الماسة إليه، ولكن الحديث عنه له أسباب عدة منها: – لأنه مما جاء به الوحي تصريحا وتلميحا وتاريخا وواقعا ومستقبلا… فوجب تبليغه كما وجب تبليغ باقي أمور الدين.

– إن الإنسان المسلم مأمور بالتبشير والتيسير أمراً من الله تعالى ومن الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن التبشير فتح لأبواب الأمل في الغد، والأمل في الغد يحفز على العمل، وهو ما جاء به الإسلام، وضده ليس من الإسلام: التيئيس والتقنيط، وما ينتج عنه من الخمول والانزواء وإخلاء المواقع.

– المرحلة التي تمر بها الأمة عصيبة جداً، وتعرف حربا على الإسلام وأبنائه ودعاته وعلمائه ومقدساته…، توجه إليهم ضربات موجعة ومتلاحقة وتؤلب عليهم جهات قريبة وبعيدة… تسعى إلى أن تفُـتّ في عضدهم وتزرع اليأس في قلوبهم من خلال حرب نفسية تقطع كل طريق إلى الأمل في غد أفضل، وبدأت “حملات مسعورة تحركها قلوب موتورة وتقودها أقلام مأجورة وأبواق مأمورة تخوف من الصحوة وتحرض على الصفوة”(2) تتهم دعاة الإسلام والحركات الإسلامية وأبناء الصحوة بالتطرف والعنف والأصولية والإرهاب وتفتري عليهم لتُـشوّه سمعتهم وتنفر منهم وصدق الله تعالى إذ يقول: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين}(المطففين : 29- 33). ولا شيء يقضي على اليأس كالأمل والذي يجب أن نعيده إلى نفوس المسلمين. الأمل في انتصار الإسلام كما أخبرنا الله تعالى: {ومن أصدق من الله قيلا} وكما جاء على لسان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق شواهد متنا صرة وحجج متضافرة: قرآن يُـتلى وسنة مشرفة تُحفظ وتاريخ شاهد وواقع مؤيِّـد وسنن لله لا تتبدل ولا تتحول كلها تقول: “المستقبل لهذا الدين”. إننا لا نغرد خارج التاريخ -إننا على أتم الوعي بما يقع:

– استعمار يسعى إلى إخراج المسلمين عن الإسلام بكل الأساليب والوسائل – جهات متعددة تخطط لتلحيد المسلمين والسيطرة على العالم العربي والإسلامي – تآمر على الإسلام وأهله بلغ الحد الأقصى والمدى الأوسع.

– واقع مرير للأمة بكل المقاييس. ومع ذلك: قال الله تعالى: {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} وقال صلى الله عليه وسلم: “من قال هلك المسلمون فهو أهلكهم” (بفتح الكاف وضمها). ولقد مرت على الأمة الإسلامية فترات أشد سواداً وأكثر قتامة مما هي عليه اليوم: ومن الأمثلة على ذلك أنه لما ضرب المغول والتتار العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه قال المؤرخ ابن الأثير في فداحة هذا المصاب: “لقد بقيت عدة سنين مُعـرِضاً عن ذكر الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين فيا ليت أمي لم تلدني، و{يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا}(مريم : 22).

إن النصر على أهل الباطل الذين يمارسون كل ألوان العدوان على الأمة الإسلامية وأبنائها ورموزها ومقدساتها وتاريخها… يملأون حاضرها بالأسى والحزن والدمار والضياع ويقطعون الطريق على مستقبلها لتحجبه غيوم اليأس والإحباط… إن النصر عليهم هو أمل كل المسلمين وحُـلمهم على تفاوت كبير بينهم في هذا الأمل.

وهذا الحديث الذي سقته يبعث هذا الأمل ويغذيه، وإلى جانبه هناك أحاديث أخرى كثيرة في الباب أخترت منها هذا النص: عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >زُوِيَتْ لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها وأُعطيت الكنزين الأصفر أو الأحمر والأبيض يعني الذهب والفضة وقيل لي إن ملكك إلى حيث زُوي لك. وإني سألت الله عز وجل ثلاثا أن لا يسلط على أمتي جوعا فيهلكهم به عامة، وأن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، وأنه قيل لي إذا قضيت قضاء فلا مرد له وإني لن أسلط على أمتك جوعا فيهلكهم فيه، ولن أجمع عليهم من بين أقطارها حتى يفني بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا وإذا وضع السيف في أمتي فلا يرفع عنهم إلى يوم القيامة. وإن مما أتخوف على أمتي أئمة مضلين، وستعبد قبائل من أمتي الأوثان، وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين. وإن بين يدي الساعة دجالين كذابين قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي ولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل<(3).

خـلاصـات الأحـاديث تستخلص من هذا الأحاديث أمور:

1- بشارة بانتشار ملك الإسلام واتساعه إلى المشارق والمغارب: أي كل ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من الأرض عندما ضمت له، وهذا بيان للحديث السابق الذي أشار إلى التمكين في الأرض(4) دون تحديد(5). وواضح أن تمكين الله لأمة الإسلام ليس في بقعة معينة بل في مشارق الأرض ومغاربها.

2- بيان ما تعطاه الأمة الإسلامية من الكنوز: الذهب والفضة الذي أشار إليه حديث ابن مسعود بقوله صلى الله عليه وسلم : >إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم<(6). وحديث عدي ابن حاتم بقوله صلى الله عليه وسلم : “فإن الله ناصركم ومعطيكم”(7).

3- أشار الحديث إلى مواقف الناس من خلال قوله صلى الله عليه وسلم : >… فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار<(8) وقوله صلى الله عليه وسلم : >فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيبوإن مما أتخوف على أمتي أئمة مضلين< ولاشك أن هؤلاء من أهمّ ما يميزهم أنهم يعملون عمل الآخرة للدنيا. ب – الدجالون والكذابون والمتنبئون في قوله صلى الله عليه وسلم: >وإن بين يدي الساعة دجالين كذابين قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبيوستعبد قبائل من أمتي الأوثان وستلحق قبائل من أمي بالمشركينولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجللا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها<(10) طائفة قائمة على أمر الله قياما يتسم بالمبالغة كأن أفرادها لا يمكن أن يراهم أحد إلا وهم قائمون على أمر الله. – >لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته<(11) هؤلاء قوم تحيط بهم عناية الله يرعاهم ويهديهم حتى يكونوا على درجة من التقى والرشاد يحبون طاعته كما قال لموسى صلى الله عليه وسلم: {ولتصنع على عيني}(طه : 39). وهؤلاء يحبهم الله تعالى ومن علامة محبته لهم أنه استعملهم كما أن من علامات بغض الله لقوم أن يستبدلهم(12). – >لا تقوم الساعة إلا وطائفة من أمتي ظاهرين على الناس لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم<(13)، وصفهم هذا الحديث بصفتين جليلتين:

– أنهم ظاهرون على الناس: ويمكن أن يكون المقصود أنهم مرموقون في المجتمع لا يخفى حالهم على الناس ولا يدخلون مكانا دون أن يلاحظهم الناس ولا يكون هذا إلا بتميز في السلوك المستقيم والخلق الكريم من جهة، وبالاجتهاد في النصح والتصحيح والإرشاد والتقويم. ويمكن أن يكون المقصود أنهم يتعرضون لألوان من الأذى من بعض المستكبرين ليمنعوهم من أداء رسالتهم ولكن هيهات من عرف ما قصد هان عليه ما وجد “فصبروا فظهروا أي: انتصروا.

– أنهم في درجة عالية من الإخلاص يدل على هذه الصفة قوله صلى الله عليه وسلم: >لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم

د. لخضر بوعلي
———–

1- أحمد 4 / 103 وابن حبان والحاكم.

2- مقتطف من كلام الشيخ يوسف القرضاوي.

3- سنن ابن ماجة ج 2 / ص 1304. حدثنا هشام بن عمار ثنا محمد بن شعيب بن شابور ثنا سعيد بن بشير عن قتادة أنه حدثهم عن أبي قَلابة الجرمي عبد الله بن زيد عن أبي أسماء الرجي عن ثوبان. ورواه أيضا مسلم 8 / 171 وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد.

4- في هذا الحديث والأحاديث التي سبقته بيان لقوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا}(النور : 53).

5- الأرض في القرآن قد يراد بها. – أرض الجنة، – الأرض كلها، – أرض فلسطين أو بيت المقدس، وحديث عوف ابن مالك الأشجعي في المستدرك يشير إلى فتح بيت المقدس.

6- سبق تخريجه.

7- سبق تخريجه.

8- سبق تخريجه.

9- سنن بن ماجة ج 1 ص 4 عن معاوية بن قرة عن أبيه ومسند أحمد وسنن الترمذي بنفس السند.

10- سنن ابن ماجة ج 1 ص 5 عن أبي هريرة رضي الله عنه.

11- سنن ابن ماجة ج 1 / ص 5 عن أبي عتبة الخولاني .

12- قال تعالى : {وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}(محمد :39).

13- سنن ابن ماجة ج 1 / 5 عن معاوية رضي الله عنه.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *