شرح الأربعين الأدبية(8) فـي التـحـذيـر مـن كل منافق عليم اللسان.


روى الإمام أحمد في مسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان<(1).

يشارك هذا الحديث باقي أحاديث الكتاب في إثارة انتباهنا إلى سلطة اللسان المتمثلة في قدرته التأثيرية، ولكنه حديث مختلف؛ لأنه يتجه به هذه المرة نحو لسان مختلف: يذكر النبي صلى الله عليه وسلم هنا أنه يخاف في المقام الأول على الأمة من >كل منافق عليم اللسان<، وخوفه هذا يفوق خوفه على المسلمين من ألسنتهم، ففي الحديث الذي رواه الترمذي عن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه قال >قلت: يا رسول الله! ما أخوفُ ما تَخافُ عليّ. فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: هذا<(2). ومنه يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم يخاف على أمته من ألسنتها، ولكن خوفه عليها من ألسنة غيرها أشد.

والخوف النبوي في الحديث السالف الذكر على فَرْدٍ، أما في حديث الباب فهو على الأمة كلها، والسبب واضح: الخوف على الفرد المسلم سببه ما يصدر عن لسانه المسلم، ولذلك فضرر الفلتان اللساني على المتكلم قبل غيره. أما الخوف على الأمة فسببه أن اللسان مسلط عليها من عدوها. والعدو هنا ليس أي عدو: فهو منافق، والمنافق يستغل المنطقة الرمادية التي يتحرك فيها ليهدم الأمة باسم الانتماء للأمة!ويحارب الإسلام باسم الغيرة على الإسلام، والانتماء للإسلام،…!! وهو إضافة إلى نفاقه >عليم اللسان<، وهذا محل الشاهد، وسنعود إليه بعد قليل. ولذلك عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن خوفه على الأمة كلَّ منافق عليم اللسان، ولم يستثن منهم أحدا، فـ>كل منافق عليم اللسان< أشد خطرا على الأمة، وذلك ما يجعلنا نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقصد فقط إخبارنا بهذا العدو؛ بل يقصد تحذيرنا منه، ولقد قدم لنا في الإخبار ثلاثة مفاتيح لمعرفته:

أولها أنه منافق.

وثانيها أنه يستعمل لسانه كثيرا.

وثالثها أنه عليم اللسان.

ولنعد الآن إلى محل الشاهد: كون المنافق >عليم اللسان< فيه ثلاث لطائف:

أولها أن عِلْمَ المنافق لا يتجاوز لسانه.

وثانيها أن مصدر خطورته ارتكاز هذا العلم في اللسان.

وثالثها علاقة ذينك بما في قلبه من النفاق.

فبذلك يكون المنافق قد حاز ثلاثة أسلحة فتاكة: النفاق، والعلم، واللسان.

ولقد ارتقى هذا المنافق من مرتبة المنافق العادي إلى المنافق العليم، ومن هذه المرتبة إلى مرتبة خدمة نفاقه بتجييش علمه من خلال آلة لسانه، فصار لسانه مركز الثقل في النفاق والعداوة، والآلة التي يهدم بها حصن الأمة وبناءها؛ لأنه في غنى عن رصد ميزانيات، ودعم لوجستيكي… وكل ما يفعله أن يُحرِّك لسانه مستثمرا عِلْمه. من أمارات هذا المنافق أنه يصور الزعماء الفاسدين -في إقبال دولتهم- قادة مصلحين، فإذا ما رآها أدبرت جعلهم خونة مستبدين، ديدنه رِجْل هنا ورِجل هناك، وعين على هذا وأخرى على ذاك. ومن أماراته أنه عندما يرى الأمة منشغلة برص صفوفها يذكرها بخلافاتها.

وعندما يراها مصممة على العودة إلى ربها يحرص على أن تكون العودة فلكلورية، ويقيم المنادب؛ لأننا لسنا وحدنا في هذا العالم، ولأن الآخر سيقاطعنا… وعندما يراها راغبة في استعادة ربيعها يدافع عن جمال حر الصيف، وقر الشتاء. ثم لا يمنعه كل ذلك إذا تحقق الهزيمة أن يدافع عن كونه كان الوحدوي والرباني والربيعي الأول؛ بل أكثر من ذلك يتباهى بأنه أكثر إخلاصا من الذين يستغلون شعارات الوحدة والعودة والربيع… ومن أمارات هذا المنافق أنه إذا مدح لم يمدح بحق، وإذا هجا لم يهج بحق؛ وكيف يمدح ويهجو بحق وهو يعمل ليل نهار ليهدم مساحة الحق في الأمة، وإنما يوظف علمه ليمدح بعلم، ويهجو بعلم، والفرق كبير بين أن يفعل ذلك بحق، وأن يفعله بعلم: أما أن يفعله بحق فهذا يتنافى مع نفاقه، فهو يكره الحق وأهله، ولذلك ليس هذا طريقه.

وأما أنه يفعل ذلك بعلم فمعناه أنه يوظف عدته العلمية الكاملة في محاربة الحق وأهله، ولكنه لنفاقه لا يحاربهما مباشرة؛ لأنه ليس من النوع الذي يجرؤ على إعلان انفصاله عن الأمة، وإنما يلبس لبوس الناصح الأمين ليلبس على الناس، وتكون حينهما مهمة تمكنه من بلاغة التعبير أن يصور الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، ومن ذلك أن يمنح صفات الإيمان الصادق والبطولة والشجاعة والإخلاص للأمة لمن خانوا الله ورسوله، وباعوا الأمة حالا واستقبالا بعرض من الدنيا، ثم لا يكتفي بذلك، بل يضيف إليه إمعانا في النكاية بالأمة أن يصف المؤمنين الصادقين المخلصين بالمتوحشين والإرهابيين والظلاميين والرجعيين وأهل الكهف وأعداء الأمة والتاريخ والإنسانية… وإذن فالمنافق العليم اللسان ارتضى لنفسه دورا في الحياة لا يخطئه، وهو مرابط مخلص لعقيدته، يملك لسانا يغنيه عن الجيوش الجرارة، ويخوض صراع وجود، ولكنه مع كل ذلك كإبليس، إن ضعفت الأمة وسوس ودلّس، وإن قويت وجمعت أمرها خنس وانتكس.

د. الحسين زروق

——-

1-مسند أحمد، 1/227، حديث رقم 143. وقد علق عليه محققه الأستاذ أحمد محمد شاكر بقوله >إسناده صحيحهذا حديث حسن صحيح

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *