إلى أن نلتــــــقي – لقطات اقتصادية


حدثني أحد من كان متابعا لزيارة وفد من المهندسين الصينيين لبلادنا، منذ سنوات، بأحاديث دالة كل الدلالة على السلوك الاقتصادي المتميز، والقائم على عدم الإسراف والتبذير في كل شيء، حتى إنهم كانوا حينما يحلقون ذقونهم في الصباح، كان الواحد منهم لا يزيد عن ملْء كأس من الماء، تكون كافية لحلق ذقنه وغسل وجهه، والماء معروض في حنفيات الفندق، لا يُسألون عن صرفه أو الإسْراف فيه.. وما قيل عن الماء يقال عن الأكل واللباس وغير ذلك، إلا العمل فإنهم كانوا يستنفدون كل طاقاتهم من أجل أن يكون عملهم مُرضيا. وحدثني بعض من يتردد على الصين من أجل التجارة، أن من عادة عموم الصينيين وخاصة في عدد من المناطق أن يحمل الفرد منهم أكياساً من الشاي، فإذا أراد الشرب أو حتى الأكل عمد إلى حنفيات (سقايات) ماء ساخنة، منتشرة هنا وهناك، فيملأ كأسا منها، ويضع بها كيس الشاي، فيشرب شايَهُ حتى وهو قاصد إلى عمله، أو ماش على قدميه في الشارع، أما أن يجلس في المقهى من أجل ذلك أو غيره (من أجل قتل الوقت)، فلا يوجد في معجمه ولا في ثقافته على الإطلاق. وتحلي الصيني بهذه “الثقافة الاقتصادية” جعلته يكتسح العالم اكتساحاً اقتصاديا غريبا، حتى إنه في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية في أوربا، يتحدث الناس عن “التهام” الصينيين للعديد من المحلات التجارية بعد أن أفلس أصحابها من أهل البلاد الأصليين، واستطاع الصينيون أن يديروها إدارة جيدة في ظل الأزمة، مما اضطر العديد من البلديات هناك إلى سن قوانين تمنع بيع المحلات للصينيين، خوفاً من “ابتلاع” البلد بأكمله، هذا والحالة أزمة اقتصادية فكيف لو كانت الحالة بخير وعلى خير؟! ولنرجع البصر إلى حالنا، لننظر كيف كانت مزابلنا خلال شهر رمضان، ولا أقول موائدنا، وكأن الصوم تنَافسٌ في إبداع واستهلاك أصناف الأطعمة والأشربة على اختلاف أشكالها وألوانها. وليس تربية للروح والسموّ بها، وترويضا للجسم لدفعه إلى السلامة والصحة مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ((صوموا تصحوا)). ولننظر إلى موائدنا في ولائمنا وأفراحنا وحتى أتراحنا، لننظر إلى أي حد تتمثل فينا مبادئ الإسلام في التوسط في النفقة دون إسراف أو تقتير.
ثم لنلق البصر على إدارتنا ومؤسساتنا العامة لنرى كيف يُنهب المال العام، سواء أكان هذا المال قليلا أم كثيراً، وسواء أكان هذا المال في شكل سيولة مادية حقيقية، أم في شكل مواد قابلة للاستهلاك الخاص أو العام، فالذي يسرق بيضة اليوم سيسرق ثوراً غداً، على حد تعبير المثل الفرنسي. وها هو عيد الأضحى آت، وهو عيد يرمز إلى التضحية والإيثار والإخاء والاستقامة، وعدم الاستغلال (القروض البنكية)، وعدم التبذير (أكل الثلث، وتخزين الثلث، والتصدق بالباقي، وهذا في حالة الرخاء العام)، ليسأل كل واحد منا نفسه إلى أي حد تتمثل فيه هذه القيم وما ماثلها. إن النهضة الاقتصادية لا تقوم على التبذير ولا على النهب أو السرقة، وإنما على البناء الرشيد للاقتصاد الوطني وحماية المال من التبذير والإتلاف والنهب، سواء كان هذا المال في ملك فرد أم مؤسسات، فالسيول على عظم شأنها لم تكن في الأصل إلا قطرات.

د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *