عبرة..


قال الأصمعي رحمه الله : أتى شهر رمضان وأنا بمكة، فخرجت إلى الطائف لأصوم فرارا من حر مكة، فلقيني أعرابي فقلت له : أين تريد؟ قال : أريد هذا البلد المبارك لأصوم فيه هذا الشهر المبارك، فقلت له : أما تخاف من الحر؟ قال : من الحر أفر. ربما كنت أنا وأنت أخي القارئ ممن يفكرون كما فكر الأصمعي رحمه الله تعالى، ويريدون صيام هذا الشهر الفضيل في بلد أقَلّ حرارة حتى لا يؤثر الصوم ووهج الشمس على أبدانهم، ولا يجدون مشقة في نهار رمضان، وهذا أمر مباح لا ضير فيه، غير أن الناظر بعيني قلبه وبصيرته لا يرى الأمر من هذه الزاوية، فهو عبد محب ولِهٌ كلما ازدادت مشقة طاعته لمولاه زادت سعادته وزاد فرحه. لو قيل لي طأ في اللّظى قلت مرحبا فجمر اللظى من أجلك عَسْجَدُ ومعلوم أن الأجر على قدر المشقة، وقد كان السلف يتخيرون اليوم الشديد الحر فيصومونه فيكون لهم عربون محبة، وقد علم الناس أن ملوك الأرض لا يقربون من مجالسهم إلا من يصل الليل بالنهار في خدمتهم، ويتحمل الصعاب والمشاق إرضاء لهم. ولله المثل الأعلى، فعلى قدر عطائك تعطى، وعلى قدر جهدك تمنح، فإذا صمت استشعر أن مولاك ناظر إليك، حينئذ يهون عليك الظمأ والحر، قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ((من تذكر قرب الوصال هان عليه مُرُّ المجاهدة)).

ذ. منير مغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *