لـماذا الانـتحـار؟


ولماذا تنتحر القاصرات؟ وما هي الأسباب القريبة والبعيدة لانتحارهن؟ وما هي الحلول الناجعة لـمنع وقوعه أو الحد منه على الأقل؟

أسئلة شغلت الرأي العام المغربي بعد حادثة أمينة الفلالي التي تجاوز صداها حدود المغرب، واهتمت بها وسائل الإعلام السمعي والبصري وحتى الدولي وقيل حولها الكثير وخصصت لها الصحف حيزاً كبيرا على صفحاتها الأولى، وعقدت من أجلها ندوات ولقاءات، ونظمت مظاهرات وقدمت مطالب واقتراحات، ووجهت انتقادات صريحة ومبطنة لم يسلم منها حتى القضاة أنفسهم، وكاد الجميع يجمع على تحميل الشريعة الإسلامية مسؤولية انتحارها لسماحها بزواج القاصرات في بعض الحالات وبصفة استثنائية.

وتحاشى الجميع الحديث عن الأسباب الحقيقية لانتحار القاصرات بصفة عامة والمغتصبات بصفة خاصة والتي يمكن إجمالها في الأسباب التالية:

* السبب الأول : تعطيل حد الزنا والاغتصاب الذي يبلغ في بعض الحالات إلى حد الإعدام رميا بالحجارة -الرجم- إذا كا ن المغتصب محصنا بالإضافة إلى:

– إلزام المغتصب بدفع تعويض مادي للمغتصبة يتمثل في صداق مثيلاتها ويتكرر بتكرر الوطء حتى لو وطئها عشر مرات لوجب لها عشر صدقات مثيلاتها حالا تستوفى من تركته قبل الميرات في حالة ما إذا أعدم.

– وفي كراء سكناها مدة استبرائها.

– الحكم بتجريحه وسقوط عدالته لارتكابه كبيرة من أكبر الكبائر مما يعنى تلقائيا.

– عدم قبول خبره.

– ورد روايته وبطلان شهادته.

– وحرمانه من الوظائف العامة وعزله منها إذا كان يمارسها.

هذا الحد المعطل وما يترتب عليه كاف وحده -في حال تطبيقه- في القضاء على الاغتصاب وردع المغتصبين وحماية المرأة بصفة عامة والقاصرة بصفة خاصة من جرائمهم، وحماية القاصرات من نزوات أنفسهن التي تقودهن في بعض الأحيان إلى المغامرة والوقوع في شرك المتربصين بهن والمتعطشين لدمائهن، حتى إذا وقع ما وقع وفات الفوت وشعرت بالندم وخافت الفضيحة لجأت إلى الانتحار لأنها لا تستطيع مواجهة الواقع الذي وضعت نفسها فيه.

بهذا الموقف الصارم من الاغتصاب والزنا نجح الإسلام في حماية نسائه وتأمينهن على شرفهن وأعراضهن وتطهير مجتمعه من اللقطاء والأطفال المتخلى عنهم طيلة القرون التي ساد فيها الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية حتى إذا عطل هذا الحد وعوض بقوانين وضعية تغيرت الأحوال وتلطخت سمعة المغرب والمرأة المغربية بجحافل الأمهات العازبات والأطفال المتخلى عنهم.

* السبب الثاني : تساهل القانون الجنائي مع الزناة والمغتصبين، وإعفاؤهم من كل مسؤولية جنائية في حال تراضيهم وقبولهم الزواج، وهو قانون بالإضافة إلى مخالفته للشريعة الإسلامية بتعطيل حد من حدود الله التي لا تقبل التنازل عنها ولا تسقط بإسقاط أحد فإنه يواخد عليه.

1- أنه يشجع على الزنا والاغتصاب ويفتح الباب على مصراعيه في وجه المغتصبين لمغامراتهم وارتكاب جرائمهم، وهم آمنون على أنفسهم من العقاب، مطمئنون مسبقا إلى نجاحهم والفوز بضحياتهم في نهاية المطاف، حيث يفضل كثير من الأسر تزويج بناتهم من مغتصبيهن أو المتورطين معهن خوفا من الفضيحة وطلبا للتستر عليهن وخاصة في حال حملهن.

ولو كان المغتصب يعلم مسبقا أنه ستطبق عليه أحكام الشريعة الإسلامية السابقة لفر بنفسه من المرأة فراره من الأسد ولأراح واستراح.

2- أن النكاح الذي يتم عقده في هذه الظروف نكاح باطل شرعا ويؤدي إلى مفاسد كثيرة. أما وجه بطلانه فلأنه نكاح في زمن الاستبراء يجب فسخه قبل الدخول وبعده ولو ولدت الأولاد.

ولأنه نكاح تحت الإكراه، فالمغتصب أو المتورط لا يقبل الزواج إلا تحت الخوف من الحبس وما يتبعه والزوجة في الغالب لا تقبله إلا تحت الخوف من الفضيحة والعار.

وأما المفاسد التي تترتب عليه فإنه يؤدي :

أ- إلى تكريس حالة الفساد بين الزوجين وإدامته لأنه لا تحل له معاشرتها بهذا النكاح أبدا، لفساده كما تقول عائشة رضي الله عنها : (لا يزالان زانيين ما اضطجعا..).

ب- وإلى استلحاق ابن الزنا في حالة ما إذا كانت الفتاة حاملا من المغتصب، وهو لا يجوز ولا يصح استلحاقه لقوله صلى الله عليه وسلم : “الولد للفراش وللعاهرالحجر”(رواه البخاري وغيره)، وقوله :”أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث”(رواه أبو داود). وقال رجل يا رسول الله : إن فلانا ابني عاهرت بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش…”.

وحكى ابن عبد البر الإجماع على أن ابن الزنا لا يلحق بالزاني ولا يستلحقه لما يترتب على ذلك من مفاسد لأنه يرث ولا يستحقه، ويختلي ببنات ومحارم الزاني وهن أجانب منه، وفي حال وفاته يرثه من لا يستحق ميراثه.

ج- وإلى توريث أحد الزوجين من الآخر في حالة وفاته وهو لا يستحقه لانعدام الزوجية بينهما شرعا.

3- أن هذه الزيجات غالبا ما تنتهي بالفشل لسببين :

– أنه في الغالب تكون هذه الزوجة غير مرحب بها ولا مرغوب فيها في أوساط عائلة الزوج ينظرون إليها من خلال ماضيها، وربما أسمعوها ما يجرح كرامتها ويندمها على قبول الزواج والرضا به، كما أن عائلة الزوجة لا تنسى ما سببه الزوج لها من الفضيحة والعار وما أوقع فيه ابنتهم من الحرج.

– بسبب الشكوك التي تنتاب كل واحد منهما نحو الآخر بعد التجربة التي عاشها كل واحد منهما مع الآخر والعلاقة الجنسية خارج نطاق الزوجية التي مر بها كل واحد مع الآخر وهو دائما يخشى من تكرارها مع الغير.

* السبب الثالث : تحديد سن الزواج بثمان عشرة سنة شمسية فإن هذا التحديد بالإضافة إلى مخالفته للشريعة الإسلامية التي تسمح بزواج القاصرات فإن له سلبيات من بينها :

– أنه يحرم القاصرة من حقها الشرعي والطبيعي في الزواج متى شاءت وبمن شاءت الذي ضمنه لها الاسلام.

– أنه يفتح باب الزواج العرفي على مصراعيه، لأن كثيرا من الآباء والأولياء حين يتعذر عليهم الحصول على الإذن القضائي بتزويج بناتهم يلجؤون إلى تزويجهن بلا عدول ولا إشهاد مما يعرضهن ويعرض أولادهن إلى مشاكل عدة يصعب حلها والتخلص منها مستقبلا وبسهولة مثل حقوقهن وحقوق أبنائهن في النفقة والإرث والنسب وكثير من الأوراق الإدارية.

– لأنه يفتح باب التحايل والتزوير في عقود الازدياد وشهادة الميلاد وأشياء يعرفها الجميع.

– أن مسطرة الحصول على الإذن القضائي معقدة ولا تخلو من سلبيات مما يعقد الأمر ويفوت على كثير من الشباب والشابات فرصة الزواج الشرعي ويدفع بهم إلى البحث عن الحرام لإرضاء نزواتهم التي لم يستطيعوا إرضاءها في ظل القانون.

< السبب الرابع : انتشار ثقافة الفساد التي تبشر بها بعض وسائل الإعلام المختلفة في شكل صور فاضحة وأفلام خليعة ومقالات مهيجة… وتساهل بعض الأسر مع بناتهم وأبنائهم المراهقين والمراهقات والسماح لهن بالاختلاط والتعارف وأحيانا تبادل الزيارات والمشاركة في رحلات مختلطة، وكأنهن ملائكة لا غرائز لهن أو دمى لا نزوات تحركهن مما يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من الاغتصاب والقتل أحيانا.

< السبب الخامس : الجهل بمبادئ الإسلام السامية وقيمه النبيلة التي تحترم الحياة وتقدرها قدرها، وتعتبرها نعمة من الله وفضلا منه وأمانة من أماناته ووديعة من ودائعه ائتمن عليها الإنسان وأودعها في جسمه وكلفه بحمايتها والمحافظة عليها ونهاه عن تضييعها ولم يسمح له حتى بتمني الموت مهما كانت الأسباب والظروف فضلا عن ممارسة إزهاقها كما قال صلى الله عليه وسلم : >لا يتمنين أحدكم الموت لِضُرٍّ نزل به، فإن كان ولابد فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وأمتني ما كانت الممات خير لي<.

– الجهل بأن باب التوبة مفتوح في وجه العصاة والمذنبين مهما عظم الذنب وكبرت المعصية فإن التوبة منها والاستغفار يكفرها وليس في ديننا قتل النفس للتكفير عن الذنب كما كان على بني اسرائيل، فلماذا الانتحار بعد ارتكاب الخطيئة؟

– الجهل بما أعده الله للمنتحرين والمنتحرات من العقاب الشديد والعذاب الأليم والخلود في نار جهنم أبد الآبدين كما نطق بذلك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فقد قال الله تعالى في سورة النساء : {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك  عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا}(النساء : 29- 31) وقال أيضا : {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا}(البقرة : 195)، وقال : {ومن يقتل مومنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}(النساء : 93) وهو عام شامل لقتل الإنسان نفسه وقتل غيره، وهي آية في غاية الوعيد : جهنم، والخلود فيها، وغضب الله ولعنته، والعذاب العظيم المهيئ له سلفا.

وقال : {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكانما قتل الناس جميعا}(المائدة : 32) وقال : {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}(الأنعام : 151) وهما آيتان عامتان في كل نفس بما في ذلك نفس القاتل.

وقال صلى الله عليه وسلم : >من قتل نفسه بشيء عذب به<(رواه البخاري ومسلم). وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال : >من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا أبدا<.

وفي حديث ثالث أنه صلى الله عليه وسلم قال : >كان رجل ممن قبلكم، وكان به جرح فأخذ سكينا نحر بها يده فهارق الدم حتى مات، قال الله : عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة<.

بهذا الموقف الصارم والوعيد الشديد الذي وقفه الإسلام من الانتحار وبمبادئه السامية التي تمجد الحياة وتحرم القتل وتفتح باب التوبة في وجه العصاة والخاطئين وما غرسه في نفوس المؤمنين به من الإيمان بالقضاء والقدر والثقة في الله حصن المجتمع الإسلامي من الانتحار فلم يحدثنا التاريخ طيلة القرون الماضية عن مسلم أحرق نفسه أو شنقها أو سممها، أو ألقى بها في بير أو رمى بها من قمة جبل أو سطح عمارة، أو أطلق رصاصة على رأسه أو غير ذلك من وسائل القتل التي تفنن في إبداعها القتلة المنتحرون.

وبالرغم مما عرفه المسلمون من مصاعب يشيب لها الولدان، وما عاشوه من محن وما قاسوه من أزمات خانقة فإنهم لم يفكروا في الخروج منها والتغلب عليها بقتل أنفسهم وإحراقها في الدنيا قبل الآخرة بل تغلبوا عليها بالصبر والإيمان بالقضاء والقدر وانتظار الفرج وظلوا طيلة هذه القرون يعتبرون الانتحار جريمة قتل غير مبررة يدينونه إدانة ما بعدها إدانة ويستنكرونه أشد الاستنكار ويرفضون الصلاة على المنتحر، ولا يشيعون جنازته ولا تطيب أنفسهم بالترحم عليه والدعاء له، ولا يجرؤ أحد منهم على تبرير جريمته أو عذره في فعلته، أو إظهار أدنى تعاطف معه في قضيته ولا يترددون في الدعاء عليه ووصفه بأبشع الصفات، ونعته بأقبح النعوت ولا يجدون حرجا في الحكم عليه والقول بخلوده في النار أبد الآبدين كما أخبر بذلك أشرف المرسلين.

وهكذا فشلت دعوة المعري منذ قرون إلى الانتحار في قوله :

فيـــا مــوت زر إن  الحياة ذميمة

وبقيت صيحة في واد، ونفخة في رماد، وتقبل المسلمون الحياة بذمامتها حتى إذا نشأ جيل لا يعرف عن الإسلام ومبادئه قليلا ولا كثيرا، واختطلت مفاهيم الأشياء في ذهنه، ولم يعد قادرا على التمييز بين الصواب والخطأ. والحق والباطل. وما ينبغي فعله وما يجب تركه تغير الانتحار في نظره من جريمة قتل مدانة إلى بطولة وشهادة، وتحول المنتحر من مجرم قاتل مغضوب عليه عند ربه، ممقوت في مجتمعه إلى بطل وشهيد يحتفى بجنازته ويشاد بفعلته ويدافع عن قضيته، فلا غرابة بعد هذا التحول في القيم من انتشار الانتحار ومحاولة الانتحار لأدنى سبب في مجتمع نسي ربه وهجر دينه وشغلته دنياه عن آخرته، ولا علاج لذلك إلا بمراجعة القوانين السابقة ومحاربة الثقافة الفاسدة والعادات السيئة ونشر القيم الدينية التي تحترم الحياة وتحرم القتل بكل أنواعه وجميع أشكاله، أما الاحتجاجات والتظاهرات والتعاطف المبالغ فيه مع المنتحر فلن يوقف الانتحار بل ربما يشجع عليه حيث يُعتَبر ذلك اعترافا بعدالة قضيته، واعترافا بحقه في الانتحار وإلقاء مسؤولية الانتحار على غيره وتحميله عواقبها.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *