مواقف وأحوال – حال رجل فاتته العتمة مع الجماعة


المصلون كلهم على خير، لكنهم درجات، ففي أي الدرجات أنت؟

المواظبون منهم على الجماعة في درجة عليا، فهل أنت منهم؟

إن صلاة الجماعة سنة من سنن الهدى، حرص عليها السلف الصالحون، وتسابق إليها الربانيون، وغفل عنها اليوم الكثيرون، وزهد في فضلها الغافلون، عن عبد الله رضي الله عنه قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. رواه مسلم.

ولقد استوقفني حال للإمام المحدث الثقة عبيد الله بن عمر القواريري رحمه الله وقد شغله ضيف عن صلاة العشاء، فخرج يطلبها في قبائل البصرة، لعله يجد قوما لم يصلوا العتمة في مسجدهم بعد، لكنه عاد -بعد طول تجوال- دون أن يدرك بغيته، أو يحقق حاجته، فماذا حدث بعد ذلك، لنستمع إليه رحمه الله:

عن محمد بن عبد العزيز البغوي قال: سمعت عبيد الله بن عمر القواريري -رحمه الله- يقول: لم تكن تكاد تفوتني صلاة العتمة في جماعة، فنزل بي ضيف فشغلت به، فخرجت أطلب الصلاة في قبائل البصرة، فإذا الناس قد صلوا، فقلت في نفسي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ إحدى وعشرين درجة، وروي خمسة وعشرين درجة، وروي سبعٌ وعشرين، فانقلبت إلى منزلي فصليت العتمة سبعا وعشرين مرة، ثم رقدت فرأيتُني مع قوم راكبي أفراس وأنا راكب فرسا كأفراسهم ونحن نتجارى، وأفراسهم تسبق فرسي، فجعلت أضربه لألحقهم، فالتفت إلي آخرهم فقال: لا تجهد فرسك فلست بلاحقنا! قال: فقلت: ولم ذاك؟ قال لأنا صلينا العتمة في جماعة(1).

فتأمل: لا تجهد فرسك فلست بلاحقنا! بسبب أنهم صلوا العتمة في جماعة وهو لم يفعل، مع أنه طلبها في قبائل البصرة غير أنه لم يدركها! تأمل حال هذا الرجل جيدا، وأسرج فرسك، واحذر أن تُسْبَق، والله الموفق.

ذ. امحمد العمراوي

من علماء القرويين

amraui@yahoo.fr

——

1- تاريخ بغداد10/320 وتهذيب الكمال 19/134 وعيون الحكايات من قصص الصالحين ونوادر الزاهدين ص:299

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *