قـوانـيـن  الـقـرآن  الـكـريــم(28) قــانـون الـهـجـرة


قــانـون الـهـجـرة

تحقيق الوجود العبادي منطلق الهجرة

… القانون اليوم قانون الهجرة… الإنسان أحيانا ينتقل من مكان إلى مكان، هناك انتقالات كثيرة لا تعني شيئا، ولكن هناك انتقال يعد هجرة، هو انتقال هادف، فالنبي صلى الله عليه وسلم عاش في مكة، لكن أهل مكة كذبوه ونكلوا بأصحابه، وبالغوا في الإساءة إليه، حتى إن الله سبحانه وتعالى سمح له أن ينتقل من مكة المكرمة إلى المدينة، فهو المهاجر الأول وأصحابه الكرام هاجروا معه، إذن هناك معنى دقيق يستنبط من الهجرة، علة وجودك في الدنيا أن تعبد الله، هذه علة أساسية، يعني.. الهدف الأساسي من وجود الإنسان في الدنيا أن يعبد الله في قوله تعالى {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون} (الذاريات : 56) فإذا حالت بيئة، أو حال مكان بينك وبين أن تعبد الله، وقدألغيت علة وجودك، فلابد من أن تهاجر من هذا المكان، الذي ألغى وجودك الإيماني، وألغى علة وجودك إلى مكان آخر، يمكن أن تحقق فيه وجودك، بل يمكن أن تحقق فيه الهدف الذي خلقت من أجله، هذه حقيقة دقيقة، فنحن لو أردنا أن نوضحها بمثل، طالب ذهب إلى بلد أجنبي، وإلى عاصمته ليلتحق بالجامعة الكبرى في هذا البلد وينال الدكتوراه، علاقته بهذه العاصمة على أنها متسعة، وفيها نشاطات لا تعد ولا تحصى، علاقته بهذه العاصمة أن يلتحق بالجامعة لينال الدكتوراه، نقول علة وجوده في هذه المدينة نيل هذه الشهادة، فإذا لم يقبل في هذه الجامعة لا معنى إطلاقا لبقائه في هذه المدينة، فالإنسان حينما يعرف أن الله سبحانه وتعالى خلقه ليعبده، فإذا حال مكان بينك وبين أن تعبده، فالأولى أن تبحث عن مكان آخر تحقق فيه الهدف من وجودك الذي أراده الله لك، هذا منطلق الهجرة.

قريش في مكة المكرمة كذبت النبي، وآذت أصحابه، ونكلت بهم، وسخرت منهم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حينما انتقل إلى المدينة، هناك من رحب بدعوته ونصره وأعانه، إذن الهجرة أحد أكبر النشاطات الإيمانية، لذلك قال تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}(الأنفال : 73) يعني ليس في الإسلام ما يسمى اليوم بالموقف السلبي، بالإعجاب السلبي، ليس المؤمن الذي يقنع بهذا الدين، لكن المؤمن الذي يلتزم بأحكامه، وما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن، إلا وتعبر عن نفسها بعطاء، بالتزام، فالمؤمن يصل لله ويقطع لله، ويعطي لله ويمنع لله، ويرضى لله ويغضب لله، فأحد أكبر أسباب الهجرة في العالم الإسلامي هجرة في سبيل الله، هجرة من بلد لا يستطيع أن يعبد الله فيه إلى بلد آخر يوفر له الحرية الدينية، كي يعبد الله ويحقق الهدف من وجوده.

الاستضعاف بالقمع أو بالإغراء علة الهجرة لحفظ البقاء

… هناك آية دقيقة جدا هي الأصل في موضوع الهجرة، هذه الآية لو تأملناها بدقة.. ذات مدلول مستقبلي خطير.. يقول الله عز وجل {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}(النساء : 96) يعني ما عرفوا ربهم، ولا عرفوا منهجه، ولا حملوا أنفسهم على طاعته {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض}(النساء : 96) يأتي الرد الإلهي {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا}(النساء : 96) لابد.. من وقفة متأنية عند كلمة {كنا مستضعفين في الارض} يعني إذا حالت جهة قوية في بلد تسكنه، حالت بينك وبين أن تعبد الله، بينك وبين أن تؤدي صلواتك، بينك وبين أن تحجب بناتك، حينما تحول جهة قوية بينك وبين أن تعبد الله، فلابد من محاولة إصلاح المجتمع، فإن لم تستطع فلابد من أن تغادر، لأن النتيجة خطيرة جدا {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} ولكن أنت حينما تكون فيبلد، القوى تمنعك أن تطيع الله بقمع شديد، لابد من المهاجرة من هذا البلد إلى بلد تحقق فيه ذاتك، عن طريق الأداء لشعائر الله عز وجل، ولكن هناك من العلماء من فهم الاستضعاف بمعنى آخر، حينما تكون في بلد، الحريات فيه مطلقة، ولكن الشهوات أقوى من قناعاتك، وأقوى من إرادتك، تضعف أمام الشهوة وتضيع أولادك، ومن حولك، هذا أيضا نوع من الاستضعاف، لكن هناك استضعاف قمعي، وهناك استضعاف ذاتي، فإذا كنت في بلد لا تستطيع أن تقيم شعائر الله من شدة الصوارف والعقبات والإغراءات، بل إذا كنت في بلد لا تستطيع أن تضمن فيه لأولادك سلامتهم الإيمانية والسلوكية، إذن لابد من أن تفكر في بلد آخر تحقق فيه ذاتك أولا، وتضمن فيه سلامة أولادك وأهلك ثانيا… الاستضعاف إذن له معنيان: استضعاف قمع واستضعاف إغراء، فأنت ينبغي أن تعرف سر وجودك وغاية وجودك، والله عز وجل.. قال {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون}(الذاريات : 56)

في الهجرة عوض خير دينا ودنيا

أما البشارة الطيبة حيث يقول الله عز وجل {ومن يهاجر في سبيل الله}(النساء : 99) يعني هو في بلد دخله وفير، حاجاته مؤمنة، طلباته محققة، لكن خاف على أولاده، خاف على مصيرهم، خاف على عقائدهم، خاف على انتمائهم لأمتهم، خاف على تضييع دينهم، أموره المادية ميسرة، ولكنه ضحى بكل هذه الميزات، وأراد أن يعود إلى بلد يمكن أن يطيع الله فيه، أو أن يطيع الله هو وأهله وأولاده، هذه هجرة اسمها “في سبيل الله” قال تعالى : {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة}(النساء : 99) وكأن الله أغراه أنك إذا أردت رضائي، أنا أضمن لك رزقا وفيرا في البلد الذي سوف تأتي إليه، لذلك المقولة الرائعة “ما ترك عبد شيئا لله إلا عوضه الله خيرا منه في دينه ودنياه”.. يعني هناك ملمح دقيق، أنت حينما تتخذ قرارا مصيريا، أنت حينما تتخذ قرارا يخدم سر وجودك وغاية وجودك، أنت حينما تتخذ قرارا يضمن لك سلامة دينك، أنت حينما تتخذ قرارا يضمن لك سلامة دين أولادك، هذا قرار خطير ومصيري، وهو قرار عند الله له شأن كبير، ولكن من أجل أن ترى عظمة هذا العمل، الله عز وجل يجعلك تدفع ثمنه باهضا، ففي أول مرحلة من الهجرة، قد لا تجد ما كنت تصبو إليه من دخل وفير، الله عز وجل قال : {فسوف يغنيكم الله من فضله}(التوبة : 28) كلمة “سوف” ذات استقبال، يعني لابد من فترة تدفع فيها الثمن، وبعدها يأتي فرج الله عز وجل : {ومن يهاجر في سبل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما}(النساء : 99).

بين هجرتين

… يمكن أن نقسم الهجرة إلى هجرتين: هجرة في سبيل الله، وهجرة في سبيل الشيطان، إذا كنت في بلد إسلامي، تعيش حياة كريمة، حياة تؤدي فيها العبادات، التي يتمنى كل عبد أن يؤديها، وضحيت بهذه النعمة الكبيرة، وانتقلت إلى بلد ترتكب فيه الفواحش على قارعة الطريق، ولا تضمن سلامة أولادك من هذه البيئة الفاسدة، فأنت في مشكلة كبيرة يمكن أن تسمى هذه الهجرة هجرة في سبيل الشيطان.

على كل فإن باب الهجرة قد أغلق بين مكة والمدينة، ولكنه مفتوح على مصاريعه بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة، وأن الهجرة من الأعمال العظيمة التي تهدم ما كان قبلها، بل إن الهجرة في زمن الفتن، وزمن النساء الكاسيات العاريات، وزمن الاضطراب، هذه الهجرة تعد عند الله تعالى.  جهادا كبيرا، فقد قال عليه الصلاة والسلام “عبادة الله في الهرج كهجرة إلي” يعني أنت يمكن أن تبقى في بلدك، وأن تهجر كل منكر، فالمهاجر من هجر المنكر، بل إن عبادة الله في بلد عبادة دقيقة هادفة يمكن أن تعد هجرة كاملة إلى الله ورسوله، نعم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام “بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام” إلى بلاد الشام بالمعنى القديم الواسع، لأن الله عز وجل يقول {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله}(الإسراء : 1) فالبلاد التي حول الأقصى بلاد مباركة بنص هذه الآية، وبنص هذه الأحاديث الصحيحة، إذن يمكن أن نعد الهجرة من مكان يعصى الله فيه، أو لا تستطيع أن تقيم أمر الله فيه، إلى بلد يمكن أن تعبد الله فيه عبادة متقنة، أنت وأهلك ومن يلوذ بك، تعد هذه هجرة في سبيل الله، ولها أجر كبير. والهجرة كما قال عليه الصلاة والسلام “تهدم ما كان قبلها” والهجرة تحقق إن شاء الله، بحسب وعد الله عز وجل، دخلا وفيرا ينسيك البلد الذي كنت تنعم فيه بدخل كبير… هذا موضوع دقيق، يحتاجه كل مسلم حينما يفكر أن ينتقل من مكان إلى مكان…

لخبير الجمال الدعوي الدكتور محمد راتب النابلسي

وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى..

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *