حلاوة الاعتزاز بالانتساب للاسلام – سعيد بن جبير يتحدى الحجـاج


>خُذْهَا مِنِّي حَتَّى تَلْقَانِي بهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ<.

قائمة التحدي طويلة، فكل صحابي كان جبلا شامخا في تحدي الكفر، وعلى رأس هؤلاء:

– عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الذي عندما أسلم لم يطق صبرا عن الجهر بإسلامه أمام أطغى الفجرة الكفرة من قريش، بل لم يشعر بالاطمئنان التام حتى أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين جميعا في شبه ما يسمى  اليوم مظاهرة إسلامية غير مسبوقة فأعز الله عز وجل به الإسلام أيما إعزاز.

– وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أول من جَهَر بالقرآن في أندية قريش، ولم يسكُتْ -رغم إيذائه- حتى بلغ مُرَادَه من إسماع الكفرة ما يغيظهم.

إلى غير هذين الجَبَلَيْن من جبال الصُمود والتحدي كبلال وابن مظعون رضي الله عنه، إلا  أننا نريد أن نقتطف باقة من عصر التابعين الذين ورِثوا عن أسلافهم الصحابة خصلة الثبات على الحق إلى النهاية مهما كان الطغيان.

ويأتي على رأس هؤلاء :

سعيد بن جبير الذي لم يرضخ لظلم الحجاج فسلك في الأول طريق الاختفاء، ولكن عندما قُبض عليه، كان هذا الحوار بينهما :

الحجاج : ما اسمك؟

سعيد : سعيد بن جُبير

الحجاج : بَلْ أنت شقي بن كُسير

سعيد : بل كانت أمي أعلمُ باسمي منك.

الحجاج : شقيتْ أمك وشقيتَ أنت

سعيد : الغيبُ يعلمُه الله

الحجاج : لَاُبْدِلَنَّك بالدُّنيا نارا تلَظَّى

سعيد : لَوْ علِمْتُ أنَّ ذلك بِيَدِكَ لاتَّخَذْتُكَ إِلَها

الحجاج : فما قولك في محمد؟

سعيد : نبي الرحمة وإمام الهدى

الحجاج : فما قولك في علي؟ أهو في الجنة أم في النار؟

سعيد : لو دَخَلْتُها وعرفتُ من فيها، عرفْتُ أهلها

الحجاج : فما قولك في الخلفاء؟

سعيد : لَسْتُ عليهم بوكيل

الحجاج : فأيُّهُمْ أعْجَبُ إليك؟

سعيد : أرضَاهُمْ لِخَالِقي

الحجاج : فأيهم أرضى  للخالق؟

سعيد : عِلْمُ ذلك عند الذي يعلم سِرّهم ونجواهم

الحجاج : فما بالك  لم تضْحَكْ؟

سعيد :  وكَيْفَ يَضْحَكُ مخلوق خُلِق من طين والطِّينُ تَأْكُلُه النَّارُ؟

الحجاج : فما بالُنا نضحك؟

سعيد : لَمْ تستوِ القلوبُ

الحجاج : يجمع اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، ويضعه بين يديه

سعيد : إن كنتَ جمعتَ هذا لتتقي به فزع  يوم القيامة فَنِعْمَ، وإلا ففزعة واحدة تذهِل كل مُرضعة عما أرضعت، ولا خير في الدنيا إلا ما طاب وزكا.

الحجاج : اختَرْ  ربا سعيد أي قِتلة أقتلك

سعيد : اختر  أنت لنفسك، فوا الله  لا تقتلني قتلة إلا  قتلك الله مثلها في الآخرة

الحجاج : أتريد أن أعفُوَ عَنْك

سعيد : إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر

الحجاج : اذهبوا به فاقتلوه

سعيد : يخرج ضاحكا ويُردُّ

الحجاج : ما أضحكك؟

سعيد : عجِبتُ من جرأتك على الله وحِلم الله عليك

الحجاج : أمر بالنطع فبُسط، فقال : اقتلوه

سعيد : وجهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين

الحجاج : كُبُّوه على وَجْهه

سعيد : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة  أخرى

الحجاج : اِذْبَحُوهُ

سعيد : أما أنا فأشهد أن لا  إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، خُذْهَا مِنِّي حتى تلقاني بها يوم القيامة. اللهم لا تُسَلِّطْه على أحَدٍ يقتله بَعْدي(1).

المفضل فلواتي  رحمه الله تعالى

——-

1- وفيات الأعيان، 371/2، وانظر المبتكرات في الخطب والمحاضرات لوحيد عبد السلام بالي 146 وما بعدها.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *