لماذا أسلمة المعرفة؟


العلوم الإنسانية، بخلاف العلوم الصرفة أو التطبيقية، علوم احتمالية لكونها تتعامل مع الإنسان فرداً وجماعة. وكل ما تطمح إليه هو أن تكون نتائجها مقاربة للحقائق أو مضيئة لها. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنها تخلو من الحقائق النهائية أو القاطعة، أو تفتقد نقاط الارتكاز الموضوعية.

ورغم أن عدداً من علماء النفس والاجتماع وغيرهما من العلوم الإنسانية، “ادعّوا” اكتشافهم للحقيقة، ومضوا أبعد من ذلك، فقالوا بأن كشوفهم هي الحقّ الوحيد وأن ما دونه الباطل، مدفوعين في ذلك وراء إغراءات ذاتية وليست موضوعية في معظم الأحيان، فإن مما يكاد يجمع عليه الباحثون الجادّون الأكثر تجرّداً في دوائر العلوم الإنسانية، أنه ليس بمقدور أحد كائناً من كان، أن يضع يديه على الحقائق النهائية التي لا تتعرض للتبديل أو التحوير.

وعلى مدى عقود محدودة فحسب من القرن العشرين رأينا تساقط العديد من النظريات والكشوف “الإنسانية” أو تعرّضها للتآكل والانكسارات في أقلّ تقدير، لكي ما تلبث أن تخلّي الطريق لمعطيات جديدة قابلة هي الأخرى للتعديل والتبديل، أو الإلغاء والانسحاب من مجرى التسلّط العلمي. ورغم أن بعض هذه الكشوف حقق انتشاراً كبيراً وأنشأ أجيالاً من الناس، وأقام دولاً وأنساقاً فكرية شمولية فإن المصير الذي آلت إليه في نهاية الأمر هو التدهور والسقوط.

والعبرة بالنتائج كما يقول المثل، ومن ثم فإن التسليم المطلق بالعلم الغربي “الإنساني” من قبل العلماء العرب أو المسلمين بعامة، والاعتماد عليه، ونقله نقلاً اتباعياً أو استسلامياً، إنما هو خطأ علمي، قبل أن يكون خطيئة عقدية، لكون هذه العلوم في الأعم الأغلب، تنبثق حيناً أو تتمخض حيناً آخر عن منظومة من التصوّرات والأفكار التي تتعارض ابتداءً مع التصوّر الديني -عموماً- للكون والحياة والإنسان، ومع التصوّر الإسلامي بوجه الخصوص، هذا التصوّر الذي يملك من الحيوية ما يمكنه من منح علماء الإنسانية فرصاً أفضل للتوّصل إلى نتائج موضوعية.

وهذا ـ بإيجاز شديد ـ هو أساس الدعوة إلى أسلمة المعرفة، أو التأصيل الإسلامي للعلوم الإنسانية، وهي دعوة اضطلعت بها مؤسسة كالمعهد العالمي للفكر الإسلامي، وتبنّاها -بشكل عام- حشد من العلماء والدارسين، بعد إذ رأوا فيها تعديلاً للوقفة الجانحة، وعودة بالوضع الشاذ إلى سوّيته. فإن النشاط العلمي في مجال الإنسانيات لن يستكمل أسبابه ما لم يَسْتَهْدِ بمعطيات الوحي ومعاييره، جنباً إلى جنب مع معطيات الوجود. إنه في هذه الحالة سيتحرك وفق ضوابط تقيه الانحراف والزلل، وتقوده إلى نتائج أكثر دقة وانضباطاً.

ولن يتحقق ذلك بطبيعة الحال، ما لم تشهد الجغرافيا العربية والإسلامية حشوداً من العلماء المتخصّصين في هذا الحقل أو ذاك من حقول المعرفة الإنسانية، وما لم تتهّيأ لهم المختبرات ووسائل العمل الملائمة والتقنيات المتقدمة التي تعينهم في عملهم.

وحينذاك قد تستدعى كشوف “الآخر” للإفادة من حلقاتها الإيجابية، وتنميتها والبناء عليها. ولكن هذا الجهد ليس هو نهاية المطاف، كما كان يحدث في الماضي، وإنما هو طبقة من عدة طبقات يصير فيها العالم المسلم أكثر استقلالية وأقدر على الكشف والإبداع.

إن المعرفة الإنسانية هي في نهاية الأمر فرصة لتأكيد الذات لا لنفيها. ولقد مضى إلى غير رجعة ذلك الزمن البائس الذي كان العائدون من ديار الغرب، من المتخصّصين في الفروع الإنسانية، يرجعون وهم يحملون إحساساً مبالغاً فيه بقداسة الكشف الغربي وشموليته وقدرته على الدوام. وكاد جيلنا في خمسينيات القرن الفائت وستينياته يذهب ضحية هذه الرؤية، لولا أن تداركت رحمة الله ثلّة من أبناء هذه الأمة رفضت الانجراف بعيداً باتجاه العلمانية الأوربية المدّعاة، وتشبثت بثوابتها الإسلامية التي هي مع العلم وليست نقيضه، كما كان الحال في أوربا النصرانية.. ثم ما لبثت انهيارات العلم الإنساني الغربي أن منحتهم اقتناعاً أكثر عمقاً بسلامة موقفهم، فمضوا يشقّون طريقاً جديداً.

ثمة ما يجب أن يقال في هذا المجال وهو أن العقل الغربي كان يملك في الوقت نفسه القدرة المدهشة على نقد الذات، ومحاولة تعديل الوقفة، وتغيير القناعات الخاطئة.. فإذا استطاع علماؤنا أن يدخلوا من هذه الثغرة فإنهم سيفعلون الكثير.

أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *