قـوانـيـن  الـقـرآن  الـكـريــم (20)  قــانـون الـتـوبـة


التوبة التئام جرح الذنب بالرجوع إلى الله

… لازلنا في قوانين القرآن الكريم، والقانون اليوم قانون التوبة، بل قوانين التوبة… العظام التي يتركب منها الهيكل العظمي قابلة للكسر، لذلك هيأ الله لهذه العظام خصائص، وهي النمو الذاتي، وما على طبيب العظمية إلا أن يضع العظمة المكسورة في مكانها الصحيح، ثم ينتظر أن يلتئم هذا العظم التئاما ذاتيا، هذا من فضل الله علينا، وهذا في النواحي المادية في خلق الإنسان. ولكن الله سبحانه وتعالى علم أيضا أن هذا الإنسان المخلوق الأول، الذي كرمه.. وسخر له ما في السموات والأرض، منحه الكون كمظهر لأسماء الله الحسنى، منحه العقل، منحه الفطرة، منحه المنهج، منحه الشهوة، منحه حرية الاختيار، أعطاه كل مقومات التكليف. الله عز وجل يعلم أن هذا الإنسان قد تضعف نفسه أحيانا، وقد يستجيب لنداء غريزته أحيانا، وقد تزل قدمه أحيانا، لذلك كما أن الله سبحانه وتعالى صمم العظام التي إذا كسرت تلتئم ذاتيا، كذلك شرع لهذا الإنسان التوبة، فما أمرنا الله أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، من هنا شرع باب التوبة.

في التوبة فرح الرحمن وتهنئة أهل الرضوان

… الله سبحانه وتعالى يقول {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}(النساء : 27) إذن إرادة الله أن نتوب إليه، والله سبحانه وتعالى ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، لذلك يمكن أن ننطلق في قوانين التوبة من أن الله يحب التوابين، من أن الله يحب العبد التائب، بل إن الذي يتوب إلى الله عز وجل يسبب كما ورد في بعض الأحاديث أن الله يفرح بتوبته “لله أفرح بتوبة عبده المؤمن منالضال الواجد والعقيم الوالد والظمآن الوارد”.

… لو تصورنا أنه ليس هناك توبة على الإطلاق، فالإنسان إذا زلت قدمه، وقع في خطأ، وقع في معصية، ولا توبة، يستمرئ الخطأ، ويتابع الخطأ بخطأ، ويزيد مستوى الخطأ، إلى أن يستحق هلاك الدنيا وعذاب الآخرة؛ لذلك تقتضي رحمة الله عز وجل أن الله يعلم ضعف الإنسان أحيانا فشرع له باب التوبة، لتكون التوبة حبل نجاة وشاطئ أمان، ومقوما من مقومات خلاصه من ذنوبه التي وقع فيها.

… شيء آخر أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يصف لنا موقف الإله العظيم حينما يتوب عبده إليه، وذكر قصة لطيفة أن أعرابيا ركب ناقته وعليها طعامه وشرابه، بعد حقبة من السير شعر بالتعب فجلس ليستريح في ظل نخلة، وأخذته سنة من النوم، فلما استيقظ لم يجد الناقة، عندئذ أيقن بالهلاك، أيقن بالموت المحقق، فجلس يبكي ثم يبكي ثم يبكي، حتى أخذته سنة من النوم ثانية، فلما استيقظ رأى الناقة أمامه، فاختل توازنه من شدة الفرح، فقال يا رب أنا ربك وأنت عبدي، وقد نطق بكلمة الكفر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعلق على كلماته تلك، بل قال: لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من ذلك البدوي بناقته، لذلك الإنسان حينما يتوب إلى الله، وهو في الحقيقة يعمل عملا يفرح الله به، لأنه إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلانا فقد اصطلح مع الله، من هنا قال الله عز وجل {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا}(الزمر : 53).

التوبة رحلة من مقام الإنابة إلى مقام الاستجابة

… ملمح آخر من ملامح قوانين التوبة، الله عز وجل يقول {يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير}البقرة : 220) {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو}(البقرة : 219) {يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض}البقرة : 222) هناك أكثر من اثنتي عشر آية في كتاب الله تبدأ بقوله تعالى “يسألونك” وتأتي كلمة “قل” وسيطا بين السؤال والجواب، لكن الذي يلفت النظر أن آية واحدة من سلسلة هذه الآيات ليس فيها كلمة “قل” فالله عز وجل يقول {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}(البقرة : 185) لم يقل “فقل” استنبط العلماء من هذه الظاهرة أنه في آية واحدة لم نجد كلمة “قل” أنه ليس هناك حجاب بين العبد وربه، بل ليس هناك وسيط بين العبد وربه {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليومنوا بي لعلهم يرشدون}(البقرة : 185) وكأن قانون التوبة أن تؤمن بالله أولا، وأن تستجيب له ثانيا، عندئذ يتوب عليك، من هنا قد يفهم بعضهم قوله تعالى “نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم}(الحجر : 49) غفور رحيم إذا عدتم إلى الله واصطلحتم معه.

… الله عز وجل يقول {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا}(الزمر: 53) أي ما من ذنب مهما توهمته كبيرا إلا وهو قابل لمغفرة الله عز وجل، ولكن بشرط أن تعود إليه تائبا {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليومنوا بي لعلهم يرشدون}(البقرة : 185) {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا}(الزمر : 53) ولكن بشرط {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له}(الزمر : 54) لابد من العودة، لابد من الإقلاع عن الذنب، لا بد من الندم، من هنا قال عليه الصلاة والسلام “الندم توبة” بل هناك من فصل في هذا، قال التوبة تحتاج إلى علم و.. حال و.. عمل، بل إن هذا قانون ينطبق على علاقة الإنسان بما حوله، يعني : لو أن إنسانا رأى أفعى، إذا أدرك أنها أفعى وأن لدغتها قاتلة، لابد من أن يضطرب، فإذا اضطرب تحرك إما إلى قتلها، أو إلى الهرب منها. إذن هذا القانون يحكم العلاقة بين الإنسان وبين المحيط، إدراك فحال فسلوك، فالإنسان حينما يطلب العلم ويعرف منهج الله، يعرف في أي مكان هو من طاعة الله، يعني هل يمكن للإنسان أن يعالج ضغطه المرتفع إن لم يعلم أن معه ضغط مرتفع، فمتى يتوب الإنسان من ذنبه؟ إذا طلب العلم وعرف الحلال والحرام، عندئذ يدرك أين هو من منهج الله عز وجل، إذن لابد من أن تعرف منهج الله حتى تقيم عملك، إذا قيمته فرأيت فيه أخطاء كثيرة وتقصيرات كبيرة، عندئذ تفكر في التوبة إلى الله عز وجل، وعندئذ تتألم، كنت في الإدراك فأصبحت في الانفعال، والانفعال الصادق لابد من أن يقودك إلى سلوك، يعني لو أن إنسانا قال لإنسان: على كتفك عقرب شائلة، بقي الإنسان هادئا مرتاحا ثم توجه إلى من قال له هذه الكلمة بالشكر والامتنان، وقال أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعينني على مكافأتك على هذه الملاحظة… هل تصدقون بأن هذا الإنسان الذي بقي هادئا مع هذه الكلمة سمع ماذا قال له هذا الأخ الكريم؟ أبدا، إذن ما لم تدرك الحقيقة وتنفعل عند إدراكها، وما لم تتحرك إلى الحل الأمثل بناء على هذا الإدراك، فلا تعد هذه توبة، ولا يعد هذا سلوكا مقبولا عند الله.

… أبواب التوبة مفتحة إلى يوم القيامة ما لم يغرغر الإنسان، {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا جاء احدهم الموت قال إني تبت الآن}(النساء : 17) فرعون الذي قال {أنا ربكم الاعلى}(النازعات : 24) فرعون الذي قال {ما علمت لكم من اله غيري}(القصص : 38) حينما أدركه الغرق {قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل}(يونس : 90) فأجابه الله عز وجل {الآن وقد عصيت قبل}(يونس :91). باب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة، بشرط أن تصحو من غفلتك قبل فوات الأوان، أما عند الموت أو عندما يحضر الموت عندئذ يغلق باب التوبة… إلى لقاء آخر إن شاء الله…

لخبير الجمال الدعوي الدكتور محمد راتب النابلسي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *