رسائل على طريق النهوض (3)


فلسطين في قلب كل عربي ومسلم (لا تنسوها):

لكل دولة قضيتها.. لكن فلسطين قضية القضايا.. على أنقاضها قامت دول، وسقطت دول، وحدثت بسببها تغيرات هائلة في مسار التاريخ الحديث لا مجال لذكرها الآن، فكثير منها تعرفونها.. لماذا كانت فلسطين كذلك، ولماذا هي الآن؟ فلسطين أرض مقدسة ومباركة بنص القرآن الكريم، فيها المسجد الأقصى أول قبلة للمسلمين، هي أرض الإسراء، وأرض الأنبياء، وأرض المحشر والمنشر، وعقر دار الإسلام، والمقيم المحتسب فيها كالمجاهد في سبيل الله، وهي مركز الطائفة المنصورة الثابتة على الحق إلى يوم القيامة، مثلما هي أرض مقدسة لدى اليهود والنصارى.

هذه هي فلسطين.. لذا كان حلم الصهاينة بتحقيق أطماعهم بإنشاء دولة لهم فيها.. ومنذ أن أنشئت هذه الدولة عام 1897م لم تقم للعرب قائمة.. لقد أذاق اليهود الشعب الفلسطيني وأمة العرب المرّ والعلقم وما زالوا..

واليوم، وبعدما رأينا ثورات النهضة العربية، ألا يليق بنا أن نأخذ بزمام المبادرة لنصرة فلسطين وأهلها ؟! ألا تستحق فلسطين منا تجديد: كلمة، صرخة، عون، حراك، تفهيم، شعور، تجييش، كرامة، شجاعة، إقدام، مروءة، غيرة، أم مات فينا كل ذلك؟! أما زالت دماؤنا تتدفق في عروقنا؟!

المسجد الأقصى.. كان حاله على الدوام يعكس حركة التاريخ.. من قديم، كان الأقصى مرآة لحال الأمة وما زال.. لن تتغير حالنا إلا بتغير حاله.. لقد أتم الاحتلال الصهيوني شبكة الأنفاق تحت المسجد الأقصى وعددها (25) نفقاً.. لقد بدأ الاحتلال باستخدام الجسر العسكري المقام في باب المغاربة.. لقد تم توطين ثلاثة آلاف مستوطن في تخوم الأقصى.. لقد صادر الاحتلال آخر ما تبقّى من آثار وأوقاف إسلامية بمحيط المسجد الأقصى ووظّفها في مشاريع التهويد والسياحة..

الأقصى -يا سادة – ليس هو ذلك البناء -رغم أهميته n، الأقصى هو الأرض.. الله تعالى هو الذي حدّد بإرادته حدوده.. لم يجعله لأهل فلسطين وحسب، وإنما لكل مسلم على هذه الأرض.. أليس هو ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال؟! أنتم أيها المغاربة لكم حصة فيه.. “حارة المغاربة” هي باسمكم، وهذا يدعونا جميعاً ويدعوكم لنصرته ونجدته بما يمكن من وسائل متاحة، لكنها ينبغي أن تكون مستمرة لا تتوقف.. الأمر فيما يخص الأقصى ليس مواسم نتحرك فيها.. إنه حراك متواصل ممتد لا يجوز أن يتوقف لحظة.. إن نجدته دِينٌ نتعبد الله به، ودَينٌ في أعناقنا وأعناقكم جميعاً.. فلا تتركوه وحيداً بعيداً.. إنه جزء من عقيدتكم.

معاول “إسرائيل” في الحرم القدسي

وأهل الحمى لاهون في الرقص و”الدنس”

نجدّد أفراحاً ونحيي ليالياً

على مأتم الأمجاد تُنحر في القدس

وماذا على الأقصى يُعرّى ويُستبى

إذا كنت أُكسى من حرير ومن ورس

وماذا على الأنفاق تهدم أسّه

وقصري منيف يجتلي طلعة الشمس

وماذا على صوت المؤذن مُعولاً

وتُسدى له الألحان في حانة الرجس

لكنها رسالة أردت أن تكون عنواناً رئيسيّاً على طريق نهضتنا، وكل طريق نهضة لا بد أن تمر فيه على فلسطين، ولن تعبره إلا إذا كانت فيه فلسطين.

ومن واجبات الوقت على كل عربي ومسلم أن يلمّ بالقضية الفلسطينية، ثقافة وتاريخاً وحضارة، ليجد موقعه الحقيقي في التاريخ، وفي الجغرافيا، وفي الصراع مع الصهيونية، انطلاقاً -كما أسلفت – من أن فلسطين قضية القضايا، وكل طريق نهضة لا بد أن تمرّ فيه على فلسطين، ولن تعبره إلا إذا كانت فيه فلسطين.

إن نسيتم أذى العدو هلكتم

فتواصوا بالقدس جيلاً فجيلاً

واغرسوا القدس بالجوانح حتى

تجد القدس للخلاص سبيلاً

الإعلام رسالة في عمق النهوض:

هل أتاكم نبأ ثورات العرب (2010م -2011م)؟! لقد كان الإعلام اللاعب الرئيسي فيها.. نحن في عصر تداول المعلومة في ثوان.. مفاصل الحياة في أي بلد كتاب مفتوح لكل الناس في كل البلدان.. لقد كشف الإعلام عورات البلاد، فما عادت تُوارى بالحجاب؟!.

إذن، لا مفرّ من الإعلام، ولا محيد عن التواصل، ولا غناء عن الكلمة، ولا مناص من الوعي، فتكميم الأفواه ما عاد يجدي نفعاً، والإعلام الحكومي الموجّه ما عاد يقنع شعباً، وإذا كانت النفس الإنسانية بطبيعتها تنزع إلى كل غريب أو مستهجن لتعرف أسراره، وإذا كانت هذه النفس بطبيعتها تسعى إلى المعلومات مهما كان منشؤها، وإذا كان الإنسان لحوحاً بطبعه، اجتماعيّاً بطبعه، وإذا كان بحكم بشريته حريصاً على السبق واقتناص الفرص، فهو من باب أولى لن يكون بمنأى عن فضاء رحب فرض نفسه في بيته، وفي عمله، وفي الشارع، مرئيّاً كان أم مسموعاً،! فكيف لهؤلاء القائمين على الإعلام في بلادنا أن يحولوا دون تلقِّي المعلومة والتفاعل معها؟! إن الإعلام -كما أسلفت -صناعة، وأيّ صناعة؟! إنه لغة العصر الحاضر.. لقد ذابت الحواجز بين المتلقي وبين أداة التلقي.. رغماً عن هؤلاء الساعين لحجب المعلومة، ولقد تفنَّن أصحاب البث الفضائي على القنوات أيما تفنّن، أليست (الصورة) أصدق تعبير عن الواقع؟ أليست (الحركة الفنية المدبلجة وغير المدبلجة) المعبّرة عن حدث ما، أفعل في النفس وأكثر تأثيراً؟! أليس الخبر المصوغ بحِرَفية لغوية وفنية صرخة مدوية تصل إلى القلوب قبل الآذان؟ أليس المذيع الماهر الحذق أحياناً كأنه منذرٌ بحرب؟!

إن الإعلام الحرّ مع شيء من الانضباط هو أداة التغيير الحقيقي في عالمنا، فلماذا نعوّل على إعلام هَرِم، ضعيف فنيّاً ومهنيّاً، فضلاً عن تعمده إخفاء الحقيقة، وتغييب دور الإعلام الحر ؟!

نحن نركز في رسالتنا عن الإعلام على محور الاتصال الجماهيري: الصحفي والإذاعي والتلفزيوني.. هذا الثالوث الذي يغذّي أسماعنا وأبصارنا بكل جديد، ومن خلاله تتشكل لدينا مهارات: الاتصال، والبديهة، والحوار، والتفكير، والتعبير.

إذن، دور الإعلام كبير في تحقيق النهضة في المجتمعات، لقد رأيتم دوره في الثورة التونسية ثم الثورة المصرية، رأيتم كيف استطاعت قناة فضائية مثل “الجزيرة” أن تسلّط الأضواء على الثورتين بمهنية عالية جدّاً جعلت وزيرة الخارجية الأمريكية تعترف بأن “الجزيرة” كانت القناة الأولى الفاعلة في العالم من حيث نقل الخبر والتعليق عليه، وتجييش الخبراء والمحللين والإعلاميين وذوي الشأن والاختصاص من أجل أن يدلوا بدلوهم، فكان حراكاً إعلاميّاً مجتمعيّاً علميّاً عاطفيّاً، أسهم في تشجيع الثائرين على مواصلة ثورتهم، ولم لا، فقد وجدوا متنفَّسهم في هذه القناة المتميزة التي تفاعلت معهم فتفاعلوا معها، فكانت قائدة للإعلام والثورة معاً.

وهنا نتساءل: أين تكمن أهمية الإعلام؟ إنها في “الكلمة”.. ألا ترى الإعلام حينما ينقل خطبة، أو حديثاً، أو تصريحاً، أو ندوة، أو مؤتمر صحفيّاً، فيبثّ كلمات مختارة ومنتقاة، يمرّ عليها الكثيرون مرّ الكرام، لكنها الخلاصة التي تعبّر عن رأي له قيمته.. هي الكلمة -إذن -توازي الرصاصة غالباً.. أليس في البدء كانت الكلمة؟! بلى.. فلا يستخفنّ أحد بكلمة أو كلمات..

وضمن هذا الحراك، نحن بحاجة إلى إعلام ملتزم، إعلام شامل، إعلام قيمي يدعو إلى المبادئ والفضائل، وسياسي يتحرى الحقيقة وينفذ إلى عمق قضايا العرب والمسلمين ويسهم في إبرازها، ولغوي أدبي يظهر جماليات اللغة العربية وينتصر لها وينشر رسالة الأدب الملتزم، وثقافي ينشر فضاءات العلم والتقنية المتنوعة المفيدة، واجتماعي يقف على مشكلات الناس ويسعى إلى حلّها، وإبداعي تجديدي يسهم في إبراز كل جديد مبتكر مطور على صعيد الأفراد والمجتمعات، ونقل تجارب الأمم في مجالات النهوض كافة.

< مثال الصحافة: مجلة الفرقان في الأردن:

من أجل هذا الإعلام الذيننشد، ظهرت في الأردن وسيلة إعلامية -ضمن محور الاتصال الجماهيري – تمثل الصحافة الملتزمة.. فقد أصدرت جمعية المحافظة على القرآن الكريم في الأردن -وضمن أهدافها القرآنية -مجلة تنشر رسالة القرآن الكريم وعلومه التي تخدمه، فتنوعت أبوابها ولم تقتصر على الدراسات القرآنية، بل أفسحت المجال لدراسات السنة النبوية، والأدب، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والقضايا الأسرية، وشؤون الطفل، وغيرها.. وهكذا وصلت “الفرقان” إلى شرائح متعددة في المجتمع الأردني، وإلى شرائح في بعض المجتمعات العربية، وعلى وجه الخصوص “المغرب”، حيث لقيت “الفرقان” قبول قطاعات متعددة في المجتمع المغربي، رغم العدد المحدود من النسخ التي توزع في المغرب، بسبب ما تفرضه علينا مقدرتنا المالية كجمعية خيرية محدودة الموارد. وكان للإخوة المغاربة من العلماء والكتّاب والمفكرين الأثر البالغ في دعم رسالة المجلة برفدها بمقالاتهم وأبحاثهم القيمة. وبهذه المناسبة نوجه لهم الشكر الجزيل على إسهاماتهم الطيبة التي كان لها صدى واسعاً لدى الجمهور الأردني الذي تعرّف إلى كثير من هؤلاء الكتاب والعلماء المبدعين، فجزاهم الله خير الجزاء.

تحديات ومشجعات :

نحن بحاجة إلى إعلام ملتزم ليحل محل الإعلام المنفلت من كل عقال، هذا الإعلام الذي دخل بيوتنا بلا استئذان، والذي يغري شبابنا وبناتنا ويستهدف دينهم وأخلاقهم، لكن هذا الإعلام الملتزم يواجه تحديات عدة تقف في طريق تقدمه مثل:

– ضعف الموارد المالية.

– قلة الكوادر الفنية المؤهلة.

– الإرادة السياسية الرافضة لمثل هذا النوع من الإعلام، أو المقيّدة له.

– انخفاض إقبال الناس على الثقافة المقروءة وتوجههم إلى المرئي والمسموع.

– الإعلام المقابل المنظم المدعوم ماليّاً وفكريّاً من الغرب، الذي يحاول حرف العقلية العربية عن مبادئها وأخلاقها.

لكننا -ورفضاً للسلبية-بإزاء مشجعات على ولوج هذا الإعلام الملتزم، منها:

– فشل الطروحات الغربية التي حاولت أن تستبدل استقلالنا الفكري والمعرفي.

– ظهور الحقيقة وجلاؤها يوماً بعد يوم، وانكشاف الخدع التي ظلت قروناً تنطلي على كثير من شعوبنا ومفكرينا وأدبائنا وعلمائنا، وما هي إلا فقاعات هواء لا تلبث إلا أن تختفي في فضاء الحق والفضيلة.

– نهوض عدد من العلماء والدعاة وجهرهم بالحق بما امتلكوا من أساليب مقنعة أدت إلى التفاف قطاعات عريضة من الناس حولهم.

وهذه المشجعات – تدعونا في نهاية موضوعنا – أن نثق بالله أولاً، ثم بقدراتنا الذاتية لننهض بمسؤولياتنا في التوجيه والاتصال وكشف الحقيقة، ولا أبالغ إذا قلت لكم: إن الإعلام الأردني -مثلاً -كان وما زال يحرّضنا -دون إذن منه وبشكل غير مباشر -لنتابع أخبار المحليات من تلفاز “إسرائيل”، ففيه تجد الحقيقة ماثلة.. وللأسف ينسحب هذا على كثير من وسائل الإعلامالمرئية والمسموعة والمطبوعة في بلادنا العربية.

إنني في نهاية هذه الرسالة لأدعو الشباب والشابات إلى ولوج هذا الفضاء الرحب (الإعلام) وأخص أولئك المقبلين على الدراسة الأكاديمية الجامعية، أن يسجلوا في تخصص الإعلام؛ لأننا بحاجة ماسة إلى هذه الكوادر الملتزمة بهوية الأمة وأخلاقها.

وعندئذ سنكتشف هوايات ومواهبَ لا حصر لها، قادرةً أن تقود دفّة الإعلام الملتزم في المرحلة المقبلة.

آملاً من الله سبحانه أن يوفقنا جميعاً لتبليغ رسالته، وما تبليغ الرسالة إلا الإعلام بعينه {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}. والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

أحمد طاهر أبوعمر

مدير تحرير مجلة الفرقان الأردنية

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *