أي شرف للغة العربية


جاء في مقدمة كتاب “فقه اللغة وسر العربية” لأبي منصور الثعالبي رحمه الله قوله : ((من أحبّ الله تعالى أحبّ رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن أحبّ النبي العربي أحبّ العرب، ومن أحبّ العرب أحبّ اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبّ اللغة العربية عُني بها، وثابر عليها وصرف همته إليها، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل وسائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء والزند للناس)).

وقال ابن كثير رحمه الله عند تفسيره للآية 2 من سورة يوسف {إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون} ((وذلك لأن لغة العربي أفصح اللغات، وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكَمُل من كلّ الوجوه))(م3 ص 121).

إن اللغة العربية هي الوسيلة الوحيدة لفهم شريعة الإسلام، ولقد أدرك العرب منذ نزول القرآن مدلول خطابه، وكانوا يدركون تماماً أن العربية من الدين، وأنه لا سبيل إلى فهم العقيدة والتزام الشريعة بغير اللغة العربية، يقول أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه “الموافقات” ((إن هذه الشريعة المباركة عربية، فمن أراد تفهمها فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبييل إلى تطلب فهمها من غير هذه الجهة)).

ويرى كثير من العلماء أن الكلام بغير العربية لمن يحسن الكلام بها لغير حاجة قد يورث النفاق لقوله صلى الله عليه وسلم ((من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق))(أخرجه الحاكم) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ((تعلموا العربية فإنها من دينكم)).

لقد نزل القرآن الكريم باللغة العربية، فاختيار اللغة العربية لغة القرآن هو بلاشك تشريف لها من بين سائر اللغات واللهجات، لتكون لغة خطاب الله تعالى الأخير إلى البشر، قال تعالى : {الله أعلم حيث يجعل رسالاته}(الأنعام : 125)، فالله أعلم حيث يجعل رسالته نبياً، وزماناً، ومكاناً، وقوماً، وأرضاً، ولساناً))(كتاب الأمة ع 32 ص 18).

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى ((إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، لأن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا باللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجد))(اقتضاء الصراط المستقيم ص 207). وقال أيضا : ((ومازال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب حتى في المعاملات، وهو التكلم بغير العربية إلا لحاجة، كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك : ((من تكلم في مسجدنا بغير العربية أُخرجَ منه))(الفتاوى 255/32).

وقال الشافعي رحمه الله تعالى ((فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد أن لا  إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، ومن التسبيح، والتشهد وغير ذلك))(الرسالة ص 48).

اللغة العربية من الأمة أساس وحدتها، ولغة قرآنها، والقرآن بالنسبة إلى العرب جميعاً كتاب لبست فيه لغتهم العربية ثوب الإعجاز، فطريق فهمه واستيعابه لا يمكن أن يتأتى إلا من خلال اللغة العربية، لا من خلال لغات العالم المختلفة.

إن الدعوة إلى تعلم اللغة العربية منذ الصغر من أمر العقيدة، يستوى فيه المسلم العربي والمسلم غير العربي، يقول طه حسين : ((إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضاً)).

من أقوال بعض العلماء العرب والأجانب : قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله ((إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكماً)) وقال أيضاً : ((وما ذلّت لغة شعب إلا ذلّ، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار، ومن هنا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضاً على الأمة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثة في عمل واحد : أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجناً مؤبداً، وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً، وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبعٌ))(وحي القلم 33/3).

وقال الألماني فريتاغ ((اللغة العربية أغنى لغات العالم)). وقال أبو الريحاني البيروني رحمه الله ((والله أُهجى بالعربية أحبٌّ إلي من أن أمدح بالفارسية)).

ورحم الله تعالى الشاعر العربي حافظ إبراهيم الذي يقول في قصيدته المشهورة مدافعاً عن اللغة العربية -وكأنّ اللغة العربية تتحدث عن نفسها-

وسعتُ كتاب الله لفظاً وغايةً

وماضقتُ عن آي به وعظات

فكيف أَضيقُ اليوم عن وصف آلة

وتنسيق أسماء لمخترعات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن

فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

إن اللغة العربية باقية حية ما بقي هذا الدين، باقية حية ما بقي من يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهي لغة الدعوة إلى الله، وهي لغة العبادة، ولغة الحضارة ولغة أهل الجنة في الجنة.

قال الله تعالى : {وإنه لتنزيلُ ربِّ العالمين نزل به الرّوح الامين، على قلبك لتكون من المنذِرين بلسانٍ عربيٍّ مُّبين}(الشعراء : 192- 193).

ذ. أحمد حُسني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *