عبد اللطيف الحجامي :  العائلة والإنسان 1


أولا : عائلة الحجامي أجيال المقاومة والعلم والحضارة:

تأبينا للفقيد عبد اللطيف الحجامي المتوفى يوم الثلاثاء 8 محرم 1432 الموافق 14 دجنبر 2010 م، نحاول أن نتسلق في أغصان الشجرة المباركة التي نما وترعرع فوق أوراقها. فالمرحوم عبد اللطيف هو أحد أبناء الفقيه العالم أحمد الذي هو ابن المجاهد المقاوم محمد الحجامي المنتسب إلى الشرفاء الحسنيين الأدارسة الذين كانوا يقطنون بمدينة زرهون قبل أن ينتقل أعقابهم إلى بلاد جبالة جنوب وادي ورغة.

اشتهر محمد الحجامي (ت 1362هـ/ 1944م) بجهاده ضد الاستعمار وبعلمه الذي أهله لكي يتولى أمور الزاوية الحجامية الكائنة بمنطقة بوليد من مشيخة سيدي المخفي بقبيلة الجاية التابعة لدائرة غفساي من إقليم تاونات.

ففي الوقت الذي كان فيه المستعمر الفرنسي قد أرغم المولى عبد الحفيظ على توقيع الحماية في 30 مارس 1912م، كان الشيخ محمد الحجامي يتولى مشيخة الزاوية الحجامية شمال العاصمة العلمية. حيث يقوم هناك بتربية وتعليم مريديه، وفق ما عُرفت به الزوايا في تاريخ المغرب من المرابطة ومجاهدة النفس واكتساب خصال الزهد والإيمان والتقوى … وبعد الاحتلال العسكري الفرنسي لفاس  وما خلفه ذلك من أثر بالغ في نفوس المغاربة، قدِم رجال من أهل المدينة على الشيخ محمد الحجامي بزاويته دلهم عليه أهل ضواحي فاس بقصد الاستغاثة به على المستعمر. فقام بدعوة الناس إلى الجهاد  والتعبئة للهجوم على الفرنسيين، فاجتمع له متطوعة القبائل في عدد كبير قاده إلى فاس، حيث حاصر أبوابها ومنع الفرنسيين من الخروج والدخول إليها، ولم يفك الحصار عنها إلا بعد وصول التعزيزات العسكرية التي دعمت القوات الفرنسية، لتنتقل المعارك إلى الأحواز الشمالية للمدينة، تكبدت فيها فرنسا خسائر فادحة قبل أن تعزز صفوفها وتستعمل الآلة العسكرية لحسم الصراع.

توغل بعد ذلك الشريف محمد الحجامي في المناطق الوعرة من الحياينة وبني زروال. وصمد في وجه المستعمر الذي كان يحاول أن يوسع دائرة نفوذه ويضيق المجال على المقاومة فلقَّنه  الحجامي الدروس لسنوات متوالية، ولم يستسلم له رغم دخول القوات الفرنسية  لقريته الجاية وإحراق منزله. فهاجر إلى قرية مجاورة ببني زروال مستمرا في المقاومة ومنسقا جهوده مع المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي في مواجهة الفرنسيس، إلى أن تمكن المحتل من إخضاع مجموع قبيلة بني زروال. فانتقل محمد الحجامي إلى كتامة  وواجه بها المستعمر الإسباني، وبقي متحصنا بكتامة يقود من هناك المقاومة بعد أن كان محمد بن عبد الكريم الخطابي قد قُبض عليه ليتم بعد ذلك نفيه.

وبذلك يكون محمد الحجامي الرجل الذي كرَّس حياته للإشراف على الزاوية في مرحلة أولى، أعطته طاقة روحية إيمانية حركهاضد المستعمر الغاصب لفترة ليست بالقصيرة رفض فيها الانصياع أوالاستسلام مؤمنا بقضيته الوطنية ومجسدا في مقاومته وتحركاته الوحدة والتآزر بين مختلف مناطق البلاد حضرية وبدوية، هضبية وجبلية. معلنا رفضه للتقسيم الذي أراد المستعمر فرضه على المغرب الواحد. كل ذلك دون أن ينسى التزاماته وواجباته تجاه أسرته حيث زرع في صدور وأفئدة أبنائه روح المقاومة والعلم رغم الظروف الاستثنائية التي مر بها.

يعتبر أحمد الحجامي (ت 1424هـ/ 2003م) أحد أبناء المجاهد المقاوم الشيخ محمد السالف الذكر. وقد جمع منذ طفولته بين العلم والمقاومة، حيث كان يتابع مواجهة أبيه للاحتلال في صغره. ثم تلقى مبادئ العلوم وحفظ القرآن ببلده،  لكن سرعان ما انخرط في المقاومة تحت إمرة محمد بن عبد الكريم الخطابي حين مواجهة هذا الأخير للإسبان والفرنسيين على حد سواء. وبقي الفقيه أحمد الحجامي صامدا في وجه الاحتلال إلى أنفرض عليه المستعمر بآلته العسكرية الاستسلام. فأقام مع أبيه تحت الإقامة الجبرية بإحدى القرى الجبلية التي تدعى حمدان،  ثم هاجر إلى العاصمة العلمية لتلقي المعارف بجامعة القرويين فمكث مدة هناك ورجع لبلده بزاده العلمي والخلقي الذي لقنه لأهل البلد. وهاجر بعد مدة من وفاة والده إلى فاس ليكون قريبا من الحاضرة التي تتيح له إفراغ موهبته العلمية وتنشئة أبنائه في ذاك الجو. لكنه ظل وفيا لبلده، إذ كان شيخا للزاوية الحجامية منذ وفاة أبيه إلى أن وافته المنية، حريصا على الذهاب إليها، وتفقد المريدين وأحوالهم العلمية والدينية. إلى أن أصبح لا يقوى على الذهاب لكبر السن وفقدان البصر، لكنه يبعث من ينوب عنه من أبنائه، متتبعا ما ينجز هناك إلى أن وافته المنية رحمه الله. وأتذكر أني زرته -رحمه الله-  في منزله ذات مرة مع مجموعة من الطلبة والمتدربين، فوجدته رغم تقدم سنه ذو ذاكرة قوية يسألنا عمن يقطن بلده أوقريب منه، مما يوضح مدى الارتباط الحميمي مع المنطقة التي ترعرع فيها وقضى فيها فترة مهمة من حياته.

في هذا الوسط إذن نشأ المرحوم عبد اللطيف الحجامي، الذي عرفت أنه ترعرع في جو علمي تتوق إليه الأسرة، وهاجر إلى فرنسا ليستكمل دراساته في الهندسة المعمارية، وبعد تخرجه درَّس في فرنسا قبل عودته لخدمة بلده.

ثانيا : المرحموم عبد اللطيف الحجامي الإنسان :

لقد تشرفت بمعرفة الفقيد  خلال اشتغالي بـ “وكالة  التخفيض من الكثافة السكانية وإنقاذ مدينة فاس”، إذ  كان مديرا عاما لها. حيث قضيت في جواره هناك مدة خمس سنوات، أشهد لله تعالى له بالتفاني في العمل ونكران الذات والأفق الطموح والمعاملة التي تفوح بالإنسانية وغير ذلك من الخصال الحميدة التي حباه الله تعالى بها.

اهتم السيد عبد اللطيف الحجامي اهتماما بالغا بالتراث المعماري لمدينة فاس. وقد وقفت بالوكالة المذكورةعلى الإرهاصات الأولى لمشروع الإنقاذ في شكل تصاميم ودراسات حول المدينة أنجزها المهندس المعماري المرحوم بمعية مجموعة من المتخصصين بطريقة  يدوية في وقت كانت فيه المعالجة الآلية المعلوماتية  لم تستوعب بعد مثل تلك الأعمال. وقد أسس السيد الحجامي لمشروع الإنقاذ في الثمانينيات من القرن الماضي، وقتها كان الحديث عن  مثل تلك المشاريع يشبه الصيحة في الوادي الخالي يقابَل بالاستغراب والاستهجان أحيانا. لكن المشروع الذي يكون أساسه صلبا وتصوره واضحا يجمع بين الرؤية والقابلية الواقعية لا يكون مآله إلا أن يفرض ذاته في الوسط الذي يستهدفه، وتلك هي ميزات مشروع إنقاذ مدينة فاس الذي خرج إلى حيز الوجود بعد سنوات من المثابرة والمجاهدة قادها أستاذنا المذكور رحمة الله عليه.

ومن خصائص مشروع إنقاذ فاس الاهتمام بالتراث الإنساني الذي خلفه المغاربة منذ تأسيس تلك المدينة في نهاية القرن الثاني الهجري/ بداية القرن التاسع الميلادي. لقد تبلورت – عبر الفترات التاريخية التي مرت منها مدينة فاس خاصة وبلاد المغرب عامة – حضارة تتجسد فيها الهوية المغربية. ودفاع السيد الحجامي عن هذا المشروع تطلب منه جهدا مضنيا لإقناع المؤسسات الوطنية وفي مقدمتها الإدارات العمومية المعنية والسلطات المحلية، بالموازاة مع تحسيس المؤسسات والهيئات الإقليمية والدولية ذات الصلة بالمشروع، منها منظمة اليونسكو والبنك العالمي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية  والصناديق الإنمائية الإقليمية وغيرها.

وبحق،  كانت شخصية المرحوم الحجامي – الحاملة لتصور شمولي للمشروع، ولتكوين علمي رصين، ولعقلية موسوعية، ولانفتاح على الأطراف الفاعلة  المختلفة في حقل التراث والآثار العمرانية، مستعينا في ذلك بالحوار والتواصل وإتقان لغات متعددة، مؤهلة بامتياز لإخراج مشروع الإنقاذ إلى الوجود تستعيد بفضله المدينة التاريخية مكانتها واعتبارها . كل ذلك عبَّد السكة لانطلاق مشروع الإنقاذ الذي أصبح مرجعا يحتدى  به داخل المغرب وخارجه رغم أنه لم يرْقَ بعد إلى ما كان يطمح إليه مؤسسه.

ومثلما كان الفقيد إنسانيا مع ماضيه، فقد طفحت منه الإنسانية مع حاضره المعيش أيضا. حيث كان -رحمه الله- أقل ما يجود به في وجه من يلتقي به الابتسامة، لِمَ لا والحديث النبوي الشريف يقول: “ابتسامتك في وجه أخيك صدقة”. لقد مكَّن مشروع الإنقاذ المذكور من فتح أوراش عمل ميدانية بالنسيج العمراني لمدينة فاس العتيقة، إذ سرعان ما تعددت نقط التدخل من خلال القيام بالدراسات والأبحاث وإنجاز أعمال الإصلاح والترميم التي كانت تتم بالمعالم التاريخية التي يزخر بها مجال المدينة مثل المساجد في مقدمتها الجامع الكبير بفاس الجديد ولاحقا جامعي القرويين والأندلس، والمدارس كما حدث بالمدرسة المصباحية والمدرسة البوعنانية،  والفنادقمنها فندق النجارين،  والدور الفخمة كدار التازي ودار عديل، والأبواب كما كان الشأن بباب الشريعة المعروف بباب المحروق وباب الفتوح، والساحات العامة من قبيل ساحة باب المكينة خارج فاس الجديد، والأسوار الخارجية للمدينة بما فيها سور القصر السلطاني بفاس الجديد، والسقايات والقنوات المائية، وكوشة الجير بباب الجيسة،  وغيرها كثير. وقد خدم الخلف السلف في تلك الأوراش،  إذ سُخرت  الطاقات البشرية من عمال ومعلمين ومهندسين وتقنيين وأثريين ومؤرخين وغيرهم بقصد التنقيب عن المخلفات العمرانية والبحث فيها وتحديد خصائصها وترميمها وإصلاحها بالشكل الذي يحافظ على صورتها قريبة إلى الحقيقة أو هي الحقيقة ذاتها.

وطبيعي أن لا تخلو العقبات من صعاب، حيث واجه الأستاذ عبد اللطيف الحجامي تحديات عدة في السير قدُما بمشروع رد الاعتبار للمدينة، سواء على المستوى الإداري أو المالي. فكان سلوكه الصبر والأناة والعمل الدؤوب الجاد. ولا زلت متذكرا لذاك اليوم الذي اجتمع فيه العاملون بإدارة الوكالة في قاعة الاجتماعات حول مصير ملفاتهم الإدارية والمالية، في وقت كان فيه السيد المدير العام في جولة بالمدينة العتيقة مع مسؤول رفيع من البنك الدولي حول موضوع المشاريع المزمع تمويلها من قبل هذه المؤسسة المالية الدولية، وإذا بالسيد الحجامي يطلع علينا بتلك القاعة مع ذاك المسؤول واضعا إياه في الصورة المالية الصعبة التي كانت تمر منها الوكالة.

غادر السيد عبد اللطيف الحجامي الوكالة في مطلع هذه الألفية التي نعيشها، وغادر هذه الحياة الفانية قبل أشهر من هذا الكلام الذي نقوله الآن. لكن آثاره لا زالت تلقي بظلالها على مدينة فاس التاريخية وعلى المدن الأخرى  في المغرب وغيره من الأقطار الإسلامية. ونتمنى من الله عز وجل أن يتقبل منه ما قام به،  وأن تكون الأعمال التي أنجزها هي أساس لمشاريع تحفظ للتراث الإنساني كرامته وكيانه إن الله تعالي سميع مجيب.

د. عبد اللطيف الخلابي


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “عبد اللطيف الحجامي :  العائلة والإنسان

  • كريم الحجامي

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته اذا كان ممكن انا ابحث عن شجرة الحجاميين او مكان مقر الرابطة للشرفاء الحجاميين اذا كانت مساعدة منك السيد عبد اللطيف خلابي و شكرا