قراءة في أعمال المؤتمر العالمي الأول للباحثين في القرآن الكريم وعلومه في موضوع: “جهود الأمة في خدمة القرآن الكريم وعلومه”


دواعي المؤتمر وأهدافه

تأتي أهمية هذا المؤتمر كما جاء في ديباجته في كونه مؤتمرا جاء بعد أن “عانت الأمة طيلة قرنين مضيا مخاضا عسيرا، وهي الآن على أبواب ولادة جديدة ينفعل بها ولها الزمان والمكان والإنسان، ولادة العودة الفاعلة في التاريخ برشد، إنقاذا للإنسان من شر الإنسان، ولن يكون ذلك، يوم يكون، إلا في إبانه، وبحقه، ومن أهله”، وهي تحتاج للوصول لذلك اليوم إلى الاستعداد والتحضير له بكل ما يلزم خاصة إعداد وتأهيل العنصر البشري “جيل أو أجيال التحضير” التي تكون قادرة بما فيه الكفاية على “تقديم حصيلة الأمة في مختلف المجالات عبر التاريخ، واستخلاص ما حقه البقاء، وعليه يكون بعد البناء، من كسب الأمة وإسهامها في التاريخ. وعلى رأس ذلك لا شك خدمتها لكتاب ربها الذي به لا بسواه دخلت التاريخ، وبه لا بسواه – يوم تتوب توبة منهاجية نصوحا – ستعود إلى التاريخ” لذلك اعتبر المنظمون للمؤتمر مسألة “استخلاص خلاصة كسب الأمة فيما مضى، وتقديمه محررا لأجيال البناء، هو بمثابة الإعداد الصحيح للمنطلق الصحيح لكل اتجاهات البناء. وإنها لخدمة أي خدمة من أجيال التحضير لأجيال البناء، أن يُعِدوا الخلاصات في مختلف أصناف العلوم: الشرعية والإنسانية والمادية، لما كسبته الأمة خلال أربعة عشر قرنا؛ فيختصروا الطريق، ويمهدوا السبيل، لوصل ما أمر الله به أن يوصل”(من ديباجة المؤتمر)

وبناء على التأطير العام لمسوغات عقد هذا المؤتمر حُددت أهدافه في ثلاثة كبرى هي:

“1- تبيّن خلاصة جهود الأمة في مختلف ميادين خدمة القرآن الكريم وعلومه.

2- تأسيس أرضية للانطلاق إلى مختلف آفاق الخدمة في المستقبل.

3- إتاحة الفرصة للباحثين في المجال، كي يتعارفوا، ويتفاهموا، ويتكاملوا”.

قراءة في أعمال المؤتمر

ويمكن عرضها من زاويتين:

الأولى للوصف: بقصد حصر كسب الأمة في جميع المجالات المعرفية وفي جميع مراحلها التاريخية.

والثانية للتقويم وتحديد حاجيات الأمة في البحث العلمي وترشيد مسيرتها تفكيرا وتعبيرا وتدبيرا.

وبناء عليه يمكن عرض خلاصات المؤتمر من هاتين الزاويتين:

1- زاوية الوصف والتشخيص:

وتضمنت جانبين : جانب تاريخي عمودي، وجانب موضوعاتي أفقي:

1-1- على مستوى الوصف الأفقي:

عرضت جهود الأمة في مختلف المجالات المعرفية والعلمية التي من خلالها تمكنت الأمة من خدمة كتاب ربها جل وعلا وهي العلوم التي تأسست في تاريخ الأمة حفظا له وصيانة، وتيسيرا، وتفسيرا، وبيانا لإعجازه، واستنباطا.

فمن أجل إبراز جهود الأمة في مجال حفظ القرآن الكريم تأسست علوم لحفظ الوحي وصيانته من التحريف وهي التي عنيت برسمه( علم الرسم القرآني) وضبطه (علم الضبط)، وتجويده (علم التجويد)، أو قراءاته (علم القراءات) أو تحفيظه وتدريسه (علم التحفيظ والتدريس وطرقه ومناهجه وأساليبه).

وقد بينت بحوث العلماء والباحثين وتعقيباتهم الأهمية القصوى لهذه العلوم في حفظ الوحي وصيانته من التحريف، وأثرها الكبير في نقله بأمانة عالية جدا إلى الأجيال في مختلف الأمصار وعلى مر الأعصار.

وأما جهود الأمة في سبيل تيسير كتاب الله وتسهيل استعماله وتداوله فقد أبرزت أعمال المؤتمر أن الأمة أسست علوما في هذا الشأن عرفت بعلوم التيسير (نسبة لوظيفتها) وقد ساعدت في تيسير تداول القرآن الكريم، وتسهيل نشره وتبليغه إلى الأجيال عبر الزمان والمكان، مثل خدمته من خلال الفهرسة والتكشيف، والمعجمة، والطباعة، والتسجيل والترجمة، وقد اعتبرت هذه الجهود ذات نفع كبير في خدمة الأمة لكتابها العزيز سواء في المراحل القديمة أو المرحلة المعاصرة التي تميزت بظهور تقنيات علمية مساعدة كثيرا في هذا المجال خاصة في مجال الترجمة والطباعة والتسجيل، حتى اعتبر تسجيل القرآن الكريم بمثابة توثيق ثان لكتاب الله جل وعلا، وحفظا جديدا يوازي في قيمته جهود الأمة سابقا في حفظ القرآن رسما وضبطا وتجويدا وقراءات لأن التسجيل مكن من تسجيل القرآن الكريم ونقل علومه الحافظة له نقلا أمينا ونشره على أوسع نطاق زمانا ومكانا.

ومن جهة جهود الأمة في مجال التفسير وعلومه أكد المؤتمرون أهمية هذا الجانب في تقريب معاني كتاب الله عز وجل، كما أكدوا قيمة هذه الجهود في تاريخ الأمة وضخامتها كما وكيفا إذ لم توجد أمة في التاريخ البشري عنيت بكتابها مثلما عنيت أمة الإسلام بالقرآن الكريم علما وعملا وتبليغا. ويعتبر التراث التفسيري في تاريخ الأمة أضخم تراث وصلنا، وقد ساعدت هذه الجهود التفسيرية في تأسيس علوم القرآن، وعلوم التفسير وعلم أصول التفسير، وعلم غريب القرآن الكريم  ومتشابهه، وعلم مصطلحات القرآن الكريم الذي تخلق قديما وبدأ يستوي على سوقه حاليا،  وكل ذلك في سبيل بذل الجهد للوصول إلى تبين مراد الله والكشف عن المعاني المرادة شرعا وتنزيلها على الواقع بتوظيف كل ما يفيد في ذلك من علوم اللغة والمقاصد ومناهج التفسير، وهي علوم كان لها دور كبير في خدمة كتاب الله خدمات جليلة في فهم معانيه ودراسة مصطلحاته ومفاهيمه وما يلزم ذلك من حسن توظيف لمناهج متعددة وطرائق وأدوات وآلات مخصوصة وشرائط وضوابط عند العلماء منصوصة.

كما أبرزت البحوث الأهمية القصوى للغة العربية وعلومها في خدمة كتاب الله تعالى وقيمتها الكبرى في حفظ لغة القرآن الكريم وبيان معانيه من زوايا متعددة صوتية وصرفية ودلالية وتركيبية وبلاغية. فبعض الباحثين توقف عند علاقة النحو بالقرآن تفسيرا وبيانا (التفسير النحوي، وجهود النحويين في ذلك كابن فارس وابن هشام)، وبعض الباحثين توقف عند دور العربية في الكشف عن الغريب وتحديد الدلالة وبيانها وتيسير فهم كتاب الله(عرض جهود العلماء في غريب القرآن الكريم)، فيما تناول البعض الآخر أهمية البلاغة في التفسير والبيان وفي الإعجاز القرآني الخاص باللغة.

ومن جهة وصف جهود الأمة في خدمة القرآن الكريم من خلال بيان إعجازه البياني والتشريعي والعلمي في العلوم المادية وفي العلوم الإنسانية انصرفت عروض العلماء والباحثين في هذا المجال إلى تحرير المراد من لفظ الإعجاز وحكمه وأنواعه: (اللغوي، التشريعي، العلمي، التاريخي، التربوي…) ومجالاته المعرفية التي برزت فيها جهود العلماء، كما أثيرت مختلف الإشكالات والقضايا المتعلقة به، والفرق بين مفهوم التفسير العلمي والإعجاز العلمي، وبيان قيمته في خدمة القرآن الكريم تحققا وتخلقا، وتبليغا ودعوة، وفي خدمة الإنسانية وإنقاذها من شبهات العلمانية وأوهام الفكر الإلحادي، وخدمة العلوم الإنسانة والاجتماعية وتخليصها من مشكلات التحيز والذاتية وهيمنة التصور الغربي عليها.

أما في محور الاستنباط من القرآن الكريم فقد رامت بعض البحوث استجلاء جهود الأمة من خلال ثلاثة مجالات:

الأول مجال السنن الإلهية في الاجتماع البشري من حيث مفهومها وأنواعها وطرق الكشف عنها واستنباطِها، ومن حيث مجالاتها وآثار الاهتمام بها في استنباط قوانين العمران البشري وفق منهاج الله وهداياته، وقيمة ذلك في تصحيح تصور الإنسان في الله والحياة والتاريخ والمصير، وتصحيح سلوكه وفعله، وأثر فقه السنن في تقويم مسيرة الأمة وتأهيلها لاستئناف دورها في الشهود الحضاري من جديد.

الثاني مجال استنباط قواعد القرآن الكريم، وهنا أبرزت الدراسة مفهوم قواعد القرآن وشروط صياغتها وضوابطها، ومقدار الاتصال والانفصال بينها وبين مفهوم قواعد التفسير والأمثال القرآنية، وأنواعها وآثارها العلمية والعملية في تحسين الفهم لكتاب الله وإعادة ربط الأمة بدينها ورسالتها ربطا يحقق لها فقها عميقا بالدين والواقع واستشراف المستقبل على هدى وبصيرة.

أما الثالث فمجال استنباط مقاصد القرآن الذي بذلت فيه جهود كثيرة ومتفاوتة كما وكيفا، لكنها تلتقي في تحرير المقصود من مقاصد القرآن الكريم والفرق بينها وبين مفهوم مقاصد الشريعة، ثم بيان أنواعها وطرق الكشف عنها، وكيفية الاستفادة منها في حياة الأمة، وقيمتها في تجديد التدين وإقامة العمران على ميزان القرآن.

وهذه المجالات الثلاثة (فقه سنن الله، وقواعد القرآن، ومقاصده) على اختلاف تسمياتها تشترك في الدعوة إلى التأسيس لعلم استنباط الهدى المنهاجي من القرآن الكريم وفق قواعد وضوابط تحقق الفقه الرشيد للأمة في الدين والواقع والتنزيل والدعوة {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} {قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين}.

وخلاصة النظرة الأفقية في هذا الجانب يمكن إجمالها في ما يلي:

1- حصر ما بذلته الأمة من جهود وبيان قيمتها الكبرى خاصة التي بذلت أولا من أجل توثيق النص القرآني رسما وضبطا وحفظا، ثم ثانيا من أجل تسهيل تداوله ونشره عبر ما توفر للأمة من إمكانات عبر تاريخها: فهرسة وطباعة وتسجيلا وترجمة، وكذا تفسيره وتأسيس العلوم الضابطة لذلك، فضلا عن الاجتهاد في استنباط هداياته في العمران والإعجاز.

2-  بيان أن تفسير كتاب الله اقتضى استنفار كل العلماء والانفتاح على كل العلوم والتخصصات التي من شأنها الإفادة في التأسيس لعلوم التفسير من لغة ونحو وبيان، ومن أصول وفقه وقواعد، والاستفادة أيضا من العلوم المادية والطبيعية والإنسانية واستثمار نتائجها.

3- توظيف كل المناهج الصالحة في استثمار الدلالة وتوليد المعني من اللفظ القرآني الذي تميز بخصوصيته المتفردة.

4- التوكيد على القيمة الكبرى للغة العربية وعلومها في التفسير والبيان، والتوكيد على أهمية الوعي بعلاقتها الوطيدة – نشأة وتطورا وتفرعا – بالقرآن الكريم وعلومه حتى عدت علوم العربية واحدة من علوم القرآن الرئيسة.

5- إبراز محورية القرآن الكريم في تفكير الأمة واهتماماتها التي جعلت من القرآن الكريم المركز وسائر العلوم بمثابة الأفلاك السابحة حوله، ولم يولد علم ولا نضج إلا في إطار خدمته لكتاب الله تعالى.

1-2- على مستوى الوصف العمودي:

إضافة إلى القراءة الأفقية التي حاولت حصر المجالات العلمية التي اتجهت إليها جهود الأمة لخدمة كتاب الله جل وعلا، قدمت عروض المؤتمر وتعقيباته أيضا قراءة في المسار التاريخي لكسب الأمة في جميع المحاور السابقة من مرحلة النبوة إلى المرحلة المعاصرة، من أجل الاقتدار على حصر هذا الكسب العلمي وتشخيص مراحل التطور ومراحل التقصير وعوامل ذلك للاستفادة منها في تحديد القضايا العالقة جزءا أو كلا، وترشيد البحث العلمي فيها: تقويما و توجيها، إضافة وتكميلا، استئنافا وإنشاء.

وبفضل هذه القراءة العمودية تمكن الباحثون من تشخيص مراحل الخصب والجدب، ومراحل الإقدام والإحجام ، ومراحل التوسع العلمي والانتشار، ومراحل الانكماش والانحسار، ومراحل الإبداع والتكرار، ومراحل التوقف ومراحل تجديد البعثة والسير من أجل “تسهيل الاستيعاب والوصل”، و” تسهيل فقه الماضي وبناء المستقبل”، وقد جاءت نتائج هذه القراءة العمودية مبرزة الفروق والخصائص بين المرحلة السابقة والمعاصرة :

> الـمرحلة السابقة تميزت بثلاث سمة :

– سمة التأسيس لخدمة القرآن الكريم في كل المجالات العلمية والتقعيد والانتشار خاصة في مرحلة الانطلاق والازدهار.

– سمة ا لانحباس والانحسار في عصور التقليد والاختصار والتكرار.

– سمة ارتباط التأليف والخدمة بحاجات الأمة العلمية وطبيعة مشاكلها وتحدياتها العلمية وإمكاناتها.

> المرحلة الحديثة والمعاصرة تميزت بخصائص وسمات جديدة لعل أبرزها ظهور حركة الإصلاح وتوسع الوعي بضرورة العودة إلى الأصول وتجديد التدين انطلاقا منها، كما تميزت المرحلة المعاصرة بتطور العلوم المادية والإنسانية والتقنية فلوحظ

1- ضعف الإبداع في مجالات انفرد بها السابقون وتوقفت عندهم مثل رسم القرآن الكريم وضبطه، الإعجاز البلاغي وعلوم القرآن والتفسير.

2- ساعد تطور العلوم المادية والإنسانية  وتطور التقنيات في ظهور خدمات أخرى جديدة تمثلت في توسع حركة الاهتمام بالإعجاز العلمي بمختلف أنواعه، ونمو البحث في علوم الإنسان والاجتماع والتاريخ في حركة الاهتمام بحفظ القرآن الكريم وتيسيره.

3- توسع الاهتمام بخدمة القرآن الكريم من جهة استنباط هداياته من خلال ظهور مباحث ودراسات  في مقاصد القرآن وقواعده وسننه، وتوسع حركة التأليف في أصول التفسير وقواعده.

4- توسع الاهتمام بالمسألة المنهجية إما استنباطا وإما اجتهادا واستصلاحا (منهج الدراسة المصطلحية، ومنهج التفسير الموضوعي، ….).

5- انحسار بعض الظواهر والنواقص وتراجع الاهتمام به لارتباطها بظروفها التاريخية مثل: مسألة تأثير التوجيه المذهبي في الدراسات القرآنية التي سادت مرحلة ما بعد الأئمة لأسباب منها غلبة التقليد والتعصب المذهبي ثم أخذت بعد ذلك تعرف طريقها إلى الانكماش والتراجع لأسباب منها ضعف استمرار المشاكل التي كانت وراءها، وانتشار فكر الصحوة المعاصرة القائم على العودة إلى أصول الإسلام ونبذ التقليد والتعصب، ثم ظهور مناهج في التفسير ـ من شأنها إذا استوت على سوقها وأحسن توظيفهاـ أن تخلص البحث في القرآن الكريم من قوة حضور التوجيه المذهبي: مثل الدراسات المصطلحية والتفسير الموضوعي والاهتداء بفقه مقاصد القرآن الكريم وقواعده والسنن الإلهية.

وخلاصة النظر في المسار التاريخي لجهود الأمة في خدمة القرآن الكريم يمكن عرضها في ما يلي:

1- أن هذه الخدمة ابتدأت بعهد رسول الله ، واستمرت تترى في الأمة إلى يومنا هذا، ولم يخل عصر من تأسيس خدمة جديدة أو اكتشاف مجال جديد للاستفادة من هذا الكتاب الكريم، أو تطوير لجهد من جهود السابقين، أو حفاظ على مكتسب، ولم يخل جيل من حظه من هذه الخدمة بل لم يخل جيل من بروز إضافة نوعية في هذا المجال، ولذلك وجب على جيل الأمة المعاصرة مواصلة السير ووصل الأجيال بجهود الأجداد.

2- لم تكن الأمة تنكمش خدماتها للقرآن الكريم إلا عندما كانت تجنح إلى الاكتفاء بالعناية بفروع المسائل بدل العناية بأصولها، أو عند الاقتصار على الاختصار والتوقف عند حد التقليد والتكرار بدل الاجتهاد والإبداع والابتكار، كما ارتبطت حركة العناية بالقرآن الكريم قوة وضعفا بمدى الاتصال به أو الانفصال عنه، وبدرجة القرب منه أو البعد عنه، وبمقدار النهل منه مباشرة أو من خلال الوسائط البشرية والرؤى المذهبية، وبقوة حركة التربية والتعليم والدعوة أو ضعفها.

3-  أن الإمكانات اليوم متاحة أكثر من أي وقت مضى، وتمكن من تحسين خدمة كتاب الله جل وعلا من جميع الوجوه، وواجب الوقت يقتضي من الأمة تحديد الأولويات مضمونا ومنهجا، وسائل ومقاصد، وقد مكنت هذه الإمكانات من إعادة تطوير جهود الأمة التي توقفت أو كادت، وتوسيع الاهتمام بقضايا وعلوم تزداد الحاجة إليها اليوم كثيرا (فقه المنهج وفقه سنن القرآن الكريم وقواعده ومقاصده، وعلوم الإعجاز).

2- زاويـة الـتـقـويـم:

إلى جانب الوصف والتشخيص الأفقي والعمودي لم تخل كثير من الدراسات والعروض المقدمة من محاولة تقويم هذه الجهود التي بذلها علماء الأمة في مختلف المجالات( أفقيا)، وفي مختلف الحقب والأزمنة(عموديا)، ولعل أهم مظاهر هذا التقويم نوجزها في نوعين من التقويم: تفصيلي وإجمالي:

2-1- التقويم التفصيلي :

> في محور الحفظ: لوحظ ضعف في استثمار إمكانات العصر وإمكانات الأمة في حفظ القرآن الكريم خاصة على مستوى تعليمه وتحفيظه وتعليم الناشئة على ضبطه رسما وضبطا وقراءات، وتحتاج الجهود الحاصلة إلى دعم وإسناد وتوسيع وتشجيع.

> في محور التيسير: لا تزال الحاجة قائمة إلى استثمار الجهود والطاقات وحسن توظيف معدات العصر العلمية والتقنية لتيسير تداول القرآن الكريم ونشره على أوسع نطاق تسجيلا وترجمة وفهرسة وتكشيفا وطباعة ورقية وإلكترونية.

> في مجال علاقة اللغة العربية وعلومها بالقرآن الكريم وعلومه تفسيرا وإعجازا لوحظ هنا جملة أمور منها:

1- أن قوة العناية بالقرآن الكريم ارتبطت بقوة العناية باللغة العربية وعلومها والعكس صحيح، إذ بقدر قوة التفقه في الآلة اللغوية تدرك أسرار الكتاب ومقاصده وتدرك مواطن إعجازه ووسائله، وبقدر التفريط في هذه الآلة ينفرط عقد الدين، وتضعف حركة الاهتمام به والانتفاع من خيراتهورحماته في تعمير الأرض على هدى الله.

2- أن الاهتمام باللغة العربية وعلومها بدأ يعرف انكماشا وضعفا بسبب تهميشها في التدريس والإعلام والتأليف والتداول الاجتماعي في مقابل إيلاء اللغات الأجنبية والعاميات أهمية أكبر.

> في مجال البحث في علم التفسير وأصوله وقواعده لوحظ أنه وإن كان قديما إلا أن ملاحظات الباحثين استقرت على أهمية استمرار الحاجة للبحث فيه لغايات ومقاصد يمكن إجمالها في :

1- الوصول به إلى مرحلة الاكتمال والنضج العلمي الدقيق وذلك بالاستقرار على اصطلاح خاص به (علوم التفسير/ علوم القرآن/ أصول التفسير/ قواعد التفسير..)، وبتدقيق جهازه المصطلحي والمفاهيمي وتحريره من الاضطراب والتداخل مع الجهاز المصطلحي والمفاهيمي لعلوم مجاورة خاصة علم أصول الفقه وعلوم القرآن وعلوم اللغة.

2- تحريره من التكرار وقلة التجديد فيه وغلبة القصد التعليمي في التأليف، إذ أغلب ما ألف فيهجاء بغرض التأليف الجامعي في المرحلة المعاصرة، ومن هنا كان واجبا الارتقاء به إلى مستوى التفعيل في الاجتهاد والاستنباط.

3- تحرير المسألة المنهجية فيه تحريرا يخرج بها من الفوضى المنهجية إلى الضبط والتحقيق والتدقيق، ومن التقليد والاجترار إلى الإبداع والاجتهاد وذلك باستثمار جهود القدماء وتطويرها وفق ما استجد في البحث العلمي في هذا العلم أو في العلوم المجاورة والمتداخلة معه، ومن فوضى المناهج الوافدة إلى الرقابة الشرعية عليها تقويما واستصلاحا من قبل أهل الاختصاص الشرعي القرآني.

> في مجال الإعجاز العلمي تبين:

أولا أن البحوث في الإعجاز العلمي في المجال الكوني والتشريعي والتاريخي لا تزال في حاجة إلى توسيع ومواكبة مستمرة لتطور العلم، واستثماره استثمارا وظيفيا في مجال الدعوة والتبليغ ونشر الإسلام والإقناع بحقائقه.

ثانيا- أن البحث العلمي في الإعجاز ينبغي أن ينطلق من عملمؤسسي ويكون تابعا لمؤسسات البحث العلمي في العلوم المادية والعلوم الإنسانية والعلوم الشرعية على حد سواء، في جميع الكليات والمعاهد ومراكز البحث العلمي.

ثالثا- نقص العنصر البشري المؤهل للبحث في مجال علوم الإعجاز: كما وكيفيا، عدة وعددا.

> في مجال الإعجاز البلاغي والبياني: لوحظ:

– تأثر البلاغة بالتوجيه المذهبي (علم الكلام)، وميل الباحثين فيها إلى تطبيق القواعد البلاغية على القرآن الكريم بدل استخراج البلاغة منه.

– الأبحاث انتقلت من الحديث عن الإعجاز البلاغي والبياني إلى الحديث عن التفسير البياني.

– وجود الحاجة إلى تأسيسه على أصول وضوابط كلية على غرار أصول الفقه وأصول التفسير.

– حاجة البحث في الإعجاز إلى الجمع والفهرسة والتكشيف، وتجاوز سلبيات العمل الفردي إلى العمل المؤسسي.

> في مجال البحث في مقاصد القرآن لوحظ أنه اكتنفته مجموعة من الصعوبات وأثيرت فيه بعض الملاحظات من قبيل:

1- صعوبة التحديد الدقيق لحدود هذا العلم، ولموضوعه ولطبيعة منهجه في استخراج مقاصد القرآن الكريم، واختلاف المصنفين فيه في تحديد معايير التصنيف فيه.

2- تداخل مباحث المقاصد القرآنية ومصطلحاتها مع مباحث علم مقاصد الشريعة ومصطلحاته وتأثير الثاني في الأول، وتأثر المصنفين في مقاصد القرآن بالتصنيف في المقاصد العامة للإسلام وللشريعة.

3- ضعف استثمار مقاصد القرآن الكريم ونتائج البحث فيها في تصحيح مسيرة الأمة وترشيد حركتها الفكرية والتربوية والدعوية، ومعالجة مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية الفردية والجماعية، وقد لوحظ أن غياب المقاصد الأساسية وضياعها هو مثار الفتن والمفاسد التي يشكو منها عقلاء هذا العصر”( أحمد الريسوني : المقاصد العامة للكتاب العزيز: نقلا عن رشيد رضا: الوحي المحمدي، ص68)، لأن من شأن التفقه في هذه المقاصد أن يحصن الأمة من كل الآفات والأخطار، كما أن من شأن التفقه في مقاصد القرآن وقواعده وسنن الله أن يربي في الأمة علماء ربانيين يجمعون فقه الدين وفقه الواقع وفقه التنزيل ويحسنون تدبير المرحلة تدبيرا يقود إلى الأفضل، ويجنبها ما هو أخطر وأرذل.

2-2- التقويم الإجمالي :

يشمل عرض الثغرات الكبرى في جهود الأمة في خدمة كتاب الله جل وعلا ومنها:

1- رغم انطلاق البحوث القرآنية المعاصرة من مبادئ حركة إحياء الأمة وبعث وظيفتها القرآنية انطلاقا من العودة إلى الوحي باعتباره الأصل، ورغم انطلاق هذه الحركة من ضرورة إحياء منهج النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في التعامل مع القرآن الكريم في تلازم بين العلم والعمل والتبليغ إلا أن كثيرا من جهود الأمة غلب عليها العمل الفكري والأكاديمي بدل ربطه بغايته التربوية والتطبيقية وإصلاح الفرد والمجتمع.

2- غلبة العمل الفردي على العمل الجماعي، وضعف استثمار نتائج المؤتمرات واللقاءات العلمية، وضعف التنسيق بين مؤسسات البحث العلمي في مجال الدراسات القرآنية.

3- نقص في الخبرات والكفاءات العلمية القائمة بشأن القرآن الكريم وعلومه، سواء على مستوى الأفراد أم على مستوى الهيئات والمؤسسات.

4- نقص في وجود مشاريع كبرى تسهم فيها جميع الأمة لخدمة القرآن الكريم وتكون مستوعبة لجميع القضايا أفقيا وعموديا، وتسير وفق نظام البحوث العلمية الرصينة والجادة.

وعموما فإن أهم قصور لاحظه الباحثون تجلى في أن ضعف حركة البحث في القرآن الكريم راجع في كثير من جوانبه إلى ضعف حركة وعي الأمة بواجب الوقت في كل مجال، وضعف الوعي بالمسألة المنهجية، وضعف العمل التكاملي وفق مؤسسات ومشاريع كبرى، إذ أغلب ما يوجد في الأمة من جهود هي جهود جزئية ومشتتة ينقصها الرشد والاكتمال، وتفتقد إلى التخطيط والتكامل والتنسيق والشورى العلمية، وتحتاج إلى تجنب هدر الطاقات والجهود في تكرار العمل أوالبحث في ما ليس أولى.

وخلاصة القول فإن مؤتمر جهود الأمة في خدمة القرآن الكريم كان واحدا من المؤتمرات العلمية الكبرى سواء في مضامينه ومنهجه، أو في أهدافه ومقاصده، أو في الجهود المبذولة فيه، أو في نتائجه التي انتهي إليها التي عكست كثيرا من تطلعات الأمة والباحثين، أو في حرصه على تدشين عهد جديد للبحث العلمي في الدراسات القرآنية يخرجه من الارتجالية إلى الضبط والإتقان العلمي والمنهجي، ومن التكرار وتشتت الجهود إلى التنسيق والتكامل والتشاور والبناء على ما سبق واستكمال المسيرة، وترشيد المؤتمرات واللقاءات العلمية بجعلها في خدمة تطوير الجهود، والاقتصاد في الجهد والطاقة من خلال تحديد المنجز وصفا وتقويما ثم تحديد المجالات التي تستوجب البحث استكمالا أو استئنافا.

فما أحوج الأمة اليوم في بعثتها الجديدة التي حان وقتها إلى تقويم مسيرتها في كل ميدان على بصيرة وهدى من الأمر، للاقتدار على استيعاب الوحي وعلومه هضما وتقويما وتتميما من أجل الاقتدار على استشراف المستقبل والإعداد له بما يلزم من عدد علمية ومنهجية وبشرية!!

د. الطيب الوزاني

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *