افتتاحية – أيهما أحق أن يُتَّبَع، استعمار يفرق أم دين يجمع؟! 2


شاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تستمر الأرض في دورانها {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب}(النمل : 88) فنشأ عن ذلك الزمان بساعاته وأيامه وشهوره وسنواته وأن تُحكَم أعمار الناس والدول به وتتخلل تلك الأعمار أحداث يجري بها القضاء على سطح الأرض أو في علاقات الناس فيما بينهم. والإنسان العاقل منذ كان وهو يستفيد من كل ذلك في دراسته للطبيعتين الأرضية والبشرية ويستخلص ويستنتج وبذلك ظهرت العلوم بمختلف أنواعها المرتبطة بالإنسان والمحيط الذي يدور به أو يعش فيه وتطورت هذه العلوم بحسب الحضارات التي عرفها الإنسان. وقد جرت عادة الناس في أغلب الأحيان أن يتساءلوا وهم يقفون عند رأس كل سنة كل بحسب ما يخوض فيه وخصوصا على مستوى الدول والشعوب عن النتائج ا لمحصل عليها وعن العبر والمواعظ المستفادة من أحداثهاووقائعها وعن استثمار كل ذلك لوضع تخطيط مستقبلي للسنة المقبلة.

والمسلمون بحسب ما رباهم عليه دينهم هم أولى من غيرهم بأن ينظروا باستمرار إلى أحوالهم العامة وإلى مرتبتهم ومكانتهم بين الشعوب والأمم في ميادين العلم والأخلاق والاجتماع والاقتصاد والسياسة وأن يفكروا في وضع الخطط الكفيلة بأن ترفع من مستواهم كما يريد لهم دينهم وتجعلهم أعزة لا أذلة سادة لا عبيدا أصحاب علم وعقل وإبداع وذوق لا أصحاب جهل وبلادة وغفلة يعيشون في أمان على أنفسهم ودينهم وبلادهم وليس في خوف ورهبة. ومن بين ما ينبغي التفكير في أمره والتنبه إليه في أحوال  المسلمين وواقعهم حالة الفرقة والتشتت التي تسودهم والتي عمق جذورها فيهم اقتسام المستعمرين لديارهم بعد أن تسنى لهم إضعاف الخلافة الإسلامية ثم اسقاطها فعوض أن يعود المسلمون إلى وحدتهم واجتماعهم بعد حصولهم على استقلالهم تمسك كل قطر بحدود أرضية خاصة به منصنع المستعمر بل ما يزال أعداء المسلمين يكيدون بشتى الوسائل للإجهاز حتى على ما هو موجود الآن لإضعافه والفتك به والزيادة في تشتيته بإحداث الخلافات والصراعات وإثارة العنصريات والعرقيات داخل بلاد المسلمين والتخطيط لضرب الرموز التاريخية التي لها مكانة في قلب كل مسلم كضرب مدينة بغداد وإذلال شعبها والمس بمآثرها. والمسلمون غافلون وغير واعين الوعي الكامل بما يخطط لهم في الخفاء من أنواع المكر والكيد وبشتى الوسائل التي تميت فيهم الهمم والعزائم وتنسيهم قيمهم الدينية العظيمة ومبادئهم السامية وتشغلهم بحب الدنيا والتمتع بالشهوات والملذات والحرص على المال وجمعه بمختلف الطرق والوسائل المشروع منها وغير المشروع وعلى مظاهر البذخ والترف وتغرقهم بأفلام العري والخلاعة والمجون فيتفشى الفساد بين الذكور والإناث. والاستعمار المقنع الذي يخطط دوما للحيلولة دون تحقيق أي تقدم أو ازدهار أوقيام أي شكل من أشكال الوحدة بين المسلمين هو الذي صنع بيديه، بثقافته وتكوينه وتحت رعايته وبسند منه أناسا رغبتهم شديدة في الرياسة والسلطة والمناصب الهامة والمحافظة عليها والتمسك بها بشتى الوسائل والحيل السياسية المخادعة لتمجيد ذواتهم وشخصياتهم و تضخيمها في أعين الناس إلى درجة توهمهم بأنه لا أحد يقدر أن يصل إلى مستواهم في التسيير والتدبير.

ويفرض على المسلمين أن يسعوا إلى الوحدة أمران :

– أمر واقعي يتعلق بأن المسلمين يرون كيف أن هناك دولا كانت الحروب الأهلية قد مزقتها تمزيقا أتت على هلاك عدد كبير من الناس ولكن جمعت صفوفها وتوحدت وصارت من الدول القوية ومنها الولايات المتحدة وكيف أن أوربا الآن بالرغم من الحروب التي مرت بين بلدانها وبالرغم من تعدد لغاتها ها هي تسير نحو التكتل والوحدة وهي مازالت تتمسك بهذه الوحدة بالرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تعرفها بعض دولهافكيف يحرص هؤلاء مع ماهم عليه على الوحدة ويحرص المسلمون أو قادتهم على الفرقة وبلادهم وشعوبهم لها من المقومات الصلبة ما يمكن أن تتحقق معه وحدة قوية.

فالبلاد الإسلامية : لها رغبة أبنائها وشعوبها الملحة في الوحدة ولها دينها الذي يجمعها وثقافتها وتاريخها المشترك ولها لغة محببة إلى قلوب أبنائها ولها مصالحها المشتركة وتنوع في خيراتها ومواردها وطاقاتها ولها أيضا ما يجمعها في ماتسعى إليه وتهدف إلى تحقيقه من إشاعة الحق والعدل والخير والمحبة والسلام والتعاون بين بني البشر ودعوة الناس بالحسنى إلى أن يحققوا مراد الله سبحانه من خلقهم بأن يعبدوه باتباع شريعته بغاية بناء حضارة إنسانية جامعة {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة : 20).

– أمر ثان يعود إلى أن هذه الدول والشعوب الإسلامية تعلن على لسان رؤسائها ولسان دساتيرها أن دينها الإسلام. والإسلام منهج متكامل يهتم بشؤون الإنسان فردا وجماعة ينظر إلى الفرد المسلم وينظر إليه من خلال جماعة المسلمين ليتحقق للمسلم بإيمانه بالله الأمن والأمان في الدنيا والآخرة. والأمن والأمان في الدنيا من دعائمه الأساسية قيام أمة ودولة عزيزة منيعة يعز بعزتها كل مسلم {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مومنين}(آل عمران : 139).

والإسلام يعتبر كل المسلمين أمة واحدة {كنتم خير أمة اخرجت للناس} وهذه الأمة لكي تستمر في رسالتها بشهادتها على الناس بتبليغ دين الله لهم تحتاج إلى أن تكون مؤهلة لذلك ومن جملة ما يؤهلها للقيام بهذا الدور العظيم أن تجتمع في وحدة ترفع مكانتها وصوتها بين الدول  وكل الشعوب الإسلامية تتوق وتشتاق إلى الوحدة وهي متأكدة من سهولة قيامها لو صحت النوايا والعزائم ومن سلامة نتائجها ومنافعها العميمة لو تمت بمشيئة الله فما على القادة والحكام إلا أن يستجيبوا من جهة لهذه الرغبة لدى شعوبهم فهم مسؤولون أمام الله سبحانه عن الوضع الشائن الذي يتردى فيه المسلمون بما يلحقهم من أنواع الأذى والإهانة من أعدائهم بفكرهم الاستعماري وحقدهم على الإسلام وأهله. وأن يستجيبوا من جهة أخرى إلى ما يدعو إليه الله سبحانه في قرآنه ونبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

في سنته من اجتماع المسلمين في أمة واحدة يقول سبحانه : {إن هذه أمتكم أمة أُمةً واحدة وأنا ربكم فاعبدون}(الأنبياء : 93) أي الأمة المتمسكة بدين الله والحامية له (يقول الزجاج : انتصب أمةً على الحال أي في حال اجتماعها على الحق أي هذه أمتكم مادامت أمة واحدة واجتمعتم على التوحيد فإذا تفرقتم وخالفتم فليس من خالف الحق من جملة أهل الدين الحق)(القرطبي 239/11).

ويقول في محكم تنزيله {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}(آل عمران : 103) أي استمسكوا جميعكم بحبل الله الذي يحفظ لكم قوتكم وعزكم ومنعتكم والمقصود بحبل الله عهده وميثاقه وكتابه وشرعه وفي الحديث ((إن هذا القرآن حبل الله)). ويقول سبحانه : {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}(الأنفال : 46) فسر الريح بمعنى القوة والنصر والغلبة والفشل ضعف القوة وانحطاطها وعدم القدرة على الوقوف في وجه الخصم والعدو.

ويحذر الله سبحانه المسلمين الذين تجرهم أهواؤهم وصراعاتهم إلى الفرقة والاختلاف {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم}(آل عمران : 105) والرسول صلى الله عليه وسلم

ببيانه الرائع وتوظيفه للأمثلة القريبة المأخذ فيظهر المقصود من الكلام واضحا تمام الوضوح يصور كيف يكون حال المسلمين في التحامهم فيقول ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) ويقول صلى الله عليه وسلم

: ((مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى لهسائر الجسد بالسهر والحمى)).

هذا إذا اشتكى منه عضو فكيف إذا اشتكت منه أعضاء كما هو واقع المسلمين اليوم فقد كثرت أمراضه وتعددت وتنوعت بسبب الفرقة والاختلاف ولا يمكن لهذا الجسد أن يستعيد عافيته وقوته وعزته ومجده ورفعته وأن يعافى من جميع الأمراض الفتاكة إلا بعد أن يلتقط أعضاؤه المتلاشية المتفرقة ويجمعها في وحدة قائمة على مبادئ وقيم دينه الحنيف الذي به كانت وتكون خير أمة أخرجت للناس.


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 thoughts on “افتتاحية – أيهما أحق أن يُتَّبَع، استعمار يفرق أم دين يجمع؟!

  • حسين عبدالرحيم اغلو

    ما فهمته من تعاليم ديني أنه يحترم اﻹنسان كل الناس فهل يمكن أن يهمش نصف المجتمع ويضعه في خانة الغرباء فالمسيحي والدرزي والعلوي واﻹلحادي كلهم أولاد هذه اﻷرض وهذا الوطن فكيف لنا أن نهمشهم ونطلب منهم الجزية وهم أولاد بلد واحد
    الله سبحانه وتعالى أعطى حق الحياة للجميع وقسم أرزاقهم وأعطاهم الصحة والعافية لم يفرق بينهم علوي مسيحي يهودي الخلق كلهم مخاليق الله .

  • إبراهيم

    لا حظت أنك خدعت بكلمة ” الاستعمار ” كثيرا
    اصل هذه الكلمة لا يدل على الشر فالمُعمِر ضد المخرب
    هؤلاء أسمهم مخربون وليس مستعمرون
    وكذلك كلمة ” ثقافة ” أيضا كلمة خاطئة للتعبير عن أسلوب الحياة وكلها كلمات دخيلة
    اصل كلمة ثقف تعني حد الرمح أو أي اي حديدة وليس لها علاقة بأسلوب الحياة
    في الاخير الموضوع طويل وأنا اقترح عليك ان تدرس علم اصول اللغات تعرف دلالات الكلمات لتجد ان هناك حملة على تزوير اللغات بداها ابليس حينما قال : (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ)