نحو منهج لدراسة مفاهيم الألفاظ القرآنية


نحو منهج لدراسة مفاهيم الألفاظ القرآنية

< د. الشاهد البوشيخي

ضرورة تجديد المنهج لتجديد فهم الدين

عبثا نحاول إصلاح الحال قبل إصلاح العمل، وعبثا نحاول إصلاح العمل قبل تجديد الفهم، وعبثا نحاول تجديد الفهم قبل تجديد المنهج، وإن تدبرا يسيرا لأول ما نزل من الهدى ـ هدى الله جل وعلا ـ يرشد إلى أن قراءة بمنهج معين، لتحصيل فهم معين، هي أول الطريق وشرط البدء؛ إنها القراءة باسم الله، إنها: >اقرأ باسم ربك<: تحدد مطلوب البدء الوحيدَ مقترنا بمنهجه الرشيد، تعلن بحالها ومقالها أن لا عمل يسبق العلم، (أولا >اقرأ<) وأن لا علم دون التقيد بقيد المنهج اللازم لتحصيل العلم ثانيا >باسم ربك<)؛ فالمنهج الراشد ينتج العلم النافع، والعلم النافع ينتج العمل الصالح، والعمل الصالح ينتج الحال الصالح أو الحياة الطيبة.

إن ما أصاب المسلمين هو قطعا بما كسبت أيديهم >وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير<، وما كسبت أيديهم هو قطعا بسبب تغيير طرأ على ما بأنفسهم: >ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم< وما طرأ من تغيير على ما بأنفسهم هو قطعا بسبب فساد ما في منهج تلقيهم: >إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، الشيطان سول لهم، وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله سنطيعكم في بعض الأمر<. ولو أنهم استقاموا على الطريقة في التلقين عن الرحمن بدل الشيطان، لما كان منهم استحسان لما سول لهم الشيطان، ولا طاعة في بعض الأمر لبعض أولياء الشيطان.

وبما أنه لن يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح أوله، فكذلك لن يتجدد أمر الدين حتى يتجدد فهم الدين، ولن يتجدد فهم الدين، حتى يُهتدَى في منهج الفهم للتي هي أقوم. وما أشق ذلك في الأمة اليوم!! لكثرة الموانع وقلة الأسباب؛ فكم من ترسبات منهجية فاسدة أفرزتها وراكمتها قرون الضعف والانحطاط في الأمة لاتزال مستمرة التأثير!، وكم من مقذوفات منهجية مدمِّرة صبّها الغرب صبّاً على رؤوس نابتة الأمة، أو نفثها في روعها، فهي فاعلة فيها فعل السحر!، وليس في الواقع ـ للأسف ـ اتجاه عام، أوشبه عام، إلى صنع كواسح الركام أو الألغام، ولا اتجاه جاد، أو شبه جاد، إلى تصْنيع ما يخلِّص العباد من سحرة فرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد. ولكن كثرة الغيم، على كثافته، لم تمنع ـ والحمد لله ـ من الرؤية فتيةً آمنوا بربهم، هنا وهناك، فأغَذُّوا على الدرب السير، وأدلجوا سارين إلى النور. ومن سار على الدرب وصل، وعند الصباح يحمد القوم السُّرى.

أهمية منهج الدراسة المصطلحية

في تجديد فهم الدين

ولئن كان في الأفق منهج يلوح وكأن به بعضا من خصائص عصا موسى في إبطال السحر وإحقاق الحق في الفهم، فهو منهج الدراسة المصطلحية؛ ذلك بأنه يتصدى أساسا لضبط المفاهيم المكونة لأي نسق، والدين في جانبه المعنوي التصوري نسق من المفاهيم، أصلها في كتاب الله عز وجل، وبيانها في بيانه السنة، من تمكَّن من تلك المفاهيم، ومن نسقها العام، تمكن من الصورة الصحيحة لهذا الدين، ومن تشوَّه لديه شيء منها أو منه تشوهت لديه الصورة العامة لهذا الدين.

ولئن كانت قد بذلت قبلُ بفضل الله عز وجل، جهود في درس دلالة الألفاظ القرآنية هي في غاية الأهمية، أسهم فيها مختلف المصنفين في مختلف العلوم، كلٌّ على قدر طاقته، وحسب  حاجته وصلته واختصاصه، فإن أهم ما ينبغي التنويه به والتنبيه عليه من ذلك هو:

-1 جهد المفسرين؛ وقد أبلوا البلاء الحسن في بيان المراد من الألفاظ، ولاسيما داخل الآيات، إلا أن جهودهم لما تجمعْ وتوثق وتصنف معجميا وتاريخيا التصنيف الذي يتتبع كل جديد قيل في شرح كل لفظ عبر القرون، فيُحصَرَ ويُيَسَّر وينظم بذلك إسهام له أهميته الكبرى في الدرس الدلالي لمفاهيم الألفاظ القرآنية.

-2  جهد الفقهاء، وهو جهد كذلك يذكر فيشكر، لولا أنه اقتصر بحكم الاختصاص على ما اتصل بالاختصاص، وظل في أغلبه كجهد المفسرين غير مجموع ولا موثق ولا مرتب الترتيب التاريخي الذي ينظم وييسر الاستفادة منه في الدرس الدلالي للمفاهيم القرآنية.

-3  جهد المعجميين، ولاسيما أصحاب كتب غريب القرآن، وفي مقدمتهم إمامهم الراغب الأصفهاني في “المفردات” الذي كاد يتفرد بشيء لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، وهو التفطن إلى خصوصية الدلالية القرآنية، مما أكسبه تدقيقا في الشرح ميزه عن سواه تمييزا.

ويلحق بما تقدم جهد أصحاب “الوجوه والنظائر”، فإسهامهم كذلك بارز متميز.

إلا أن تلك الجهود وغيرها ـ على وجاهتها وأهميتها ـ تظل مفتقرة إلى الشروط التي تجعل من نتائجها مفاتيح للفهم الكلي النسقي للقرآن الكريم؛ لغيبة الإحصاء في دراسة مفاهيم الألفاظ، وقلة الاهتام أو انعدامه بحجم المفهوم، وعلاقاته بسواه، وموقعه في النسق العام. وذلك ما يترشح له منهج الدراسة المصطلحية بكفاءة بحكم اختصاصه.

وإذا تم ضبط مفاهيم القرآن الكريم، فقد تم تبعا لذلك ضبط مفاهيم الدين القيم؛ لأن السنة بيان، به بعد القرآن، يُضْبَط فهم القرآن لتكوين الميزان، وعطاء العصور اجتهادات أو انحرافات تُقبل أو ترفض تبعا للميزان. ومتى تجدد فهم المفاهيم فقد تعبد الطريق لتجديد أمر الدين لمريده. لكن كيف نجدد فهم المفاهيم، أو كيف ندرس مفهوم الألفاظ القرآنية بمنهج الدراسة المصطلحية؟.

كيف ندرس مفاهيم الألفاظ القرآنية بمنهج الدراسة المصطلحية

ذلك ما يمكن حصره بإيجاز في المراحل التالية:

-1   الإحصاء؛ إحصاء جميع مشتقات الجذر اللغوي للفظ، في جميع الآيات التي ورد بها في القرآن كله. وقد تصدق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله تعالى بهذه الصدقة الجارية على الباحثين، ولم يبق إلا ما قد يكون عليه من استدراك فوات.

-2   تصنيف جميع النصوص المحصاة بعد استخلاصها، حسب الأهم فالأهم من المشتقات.

-3  دراسة معاني المشتقات في المعاجم اللغوية، دراسة تضع نصب عينيها مدار مشتقات الجذر علامه؟ ومأخذ المشتق المستعمل في القرآن الكريم ممه؟ وشرحه إن كان قد شرح بمه؟

-4 تفهم مفهوم المشتق الأهم في كل نص من النصوص التي ورد بها، >تفهما يستعين بكل ما يؤمِّن الفهم السليم… ويحذر من كل ما يُزلّ ويُضلّ، من تصور سابق وخاطر فطير، وتحميل للنصوص ما فوق الطاقة، وما أشبه. تفهماً لا يدرس نصا… أو استعمالا… بمعزل عن نظائره، ولا يبين مصطلحا… بمنأى عن أسرته، أو عما يأتلف معه ويختلف؛ فالتضاد والترادف، والاقتران والتعاطف… والعموم والخصوص، والإضافة والإطلاق… كل أولائك ضروري المراعاة عند التفهم، وكل ذلك مما به يتكون المهفوم ويتحدد< (مصطلحات نقدية وبلاغية ط.2 ص: 17)

تفهماً يستعين بكل ما يعَين أو يعِين من بيان للقرآن بالقرآن، وبيان للقرآن بالسنة، وبيان للقرآن بما صح من أقوال الصحابة والتابعين وفهوم الذين اتبعوهم بإحسان، من دارسي الكتاب الربانيين، والعلماء الراسخين، مفسرين كانوا أم غير مفسرين.

ولو أن التعاريف والشروح التي شرحت بها الألفاظ القرآنية في مختلف المصادر عبر القرون، قد وثقت في معجم تاريخي شامل، لتيسرت الاستفادة منها كثيرا، ولنفع الله بها الناس نفعا كبيرا.

-5 تصنيف نتائج التفهم حسب العناصر المكونة للمفهوم، من سمات دلالية لا يمكن تعريف لفظه مع الاستغناء عن بعضها، ثم حسب العلاقات التي للمفهوم مع ما ائتلف معه ضربا من الائتلاف كالترادف… أو مع ما اختلف معه ضربا من الاختلاف كالتضاد… ثم حسب الضمائم أي الأشكال التي ورد عليها لفظ المفهوم مضموما إلى غيره أو مضموما إليه غيره، كإضافة لفظ المفهوم إلى غيره أو إضافة غيره إليه وما أشبه، ثم حسب القضايا التي ترتبط بالمفهوم أو يرتبط بها، مما لا يمكن التمكّن منه إلا بعد التمكن منها، كالأسباب والنتائج، والمصادر والمظاهر، والشروط والموانع، والمجالات والمراتب، والأنواع والوظائف، والتأثر والتأثير… وغير ذلك مما قد يستلزمه تفهم مفهوم ولا يستلزمه تفهم آخر.

-6  تعريف لفظ المفهوم تعريفا يحيط بكل عناصر المفهوم التي استخلصت من مجموع نصوصه >فإذا تم ذلك وتميز… من سواه، وعرض حده على كل نصوصه فاستجابت… له، حددت< الخصائص التي تخصه دون سواه >والفروق التي تفصله عن سواه< (مصطلحات نقدية وبلاغية ط2 ص: 17).

-7  تحرير ما تقدم تحريرا يراعي طبيعة المجال العلمي، وطبيعة المادة المفهومية، وطبيعة المنهج الدارس، فإذا تم ذلك في درس كل مفهوم، وكل مادة، أمكن الخلوص في النهاية إلى تركيب النسق المفهومي العام للخلوص إلى الفهم الكلي النسقي للقرآن الكريم.

>هذه أهم المراحل الأساسية… في نهج الدراسة. وهي، على تميز بعضها من بعض، متلاحمة متكاملة، تحتاط أولاها لأخراها وتمهد لها، وتصحح اللاحقة أخطاء السابقة، وتمحص نتائجها< (م. س 18).

تحديات الطريق

هذا الطريق، كأي طريق للخير، غير مفروش بالورود، ولابد لسالكيه من ضروب من الصبر. وأبرز ما يتحداهم فيه ـ وإن كان لا يمنعهم البتة من سلوكه ـ ثلاثة حواجز:

أولا: حاجز واقع التراث النصي العربي الأليم الذي ما زال ينتظر جهودا علمية منهجية متكاملة، لإخراجه إخراجا موثقا محققا مكشفا.

ثانيا : حاجز واقع المعجم اللغوي العربي الذي مازال ينتظر الحسم في معضلة النص لإعادة بنائه موثقا، مدققا مؤرخا.

ثالثا: حاجز واقع علم بيان القرآن أو أصول التفسير الذي مازال ينتظر جهودا صادقة مخلصة، لاستخلاصه من مصادره، وتخليصه مما التبس به، وتصنيفه وتكميل بنائه، علما ضابطا لبيان القرآن الكريم؛ من الفهم السليم حتى الاستنباط السليم.

ضرورة اقتحام العقبة

هذه الحواجز كلها ـ على وعورتها ـ ممكنة التحطيم ميسورة التذليل، إذا اقتحمت العقبة، وبدأ السير الجاد المتميز بثلاث:

ـ أولا “العلمية” في البحث التي تتمثل في صحة المنطلقات، وصحة المقدمات، ومن ثم صحة النتائج.

ـ ثانيا “المنهجية” التي تتمثل في التدرج المنطقي في المعالجة لكل تلك الحواجز، أو لأي حاجز، أو جزء من حاجز، من تلك الحواجز.

ـ ثالثا “التكاملية” التي تتمثل في تنسيق الجهود الفردية والجماعية حتى تتكامل؛ حفظا للطاقات، واختصارا للنفقات في الأموال والأوقات.

وسواء حطمت الحواجز أم لم تحطم، فإن السير متعيّن في اتجاه تجديد المنهج بما تيسّر، لتجديد الفهم، على قاعدة الاستفادة من الممكن إلى أقصى حد ممكن”، ومن عرف ما قصد، هان عليه ما وجد، ومن طلب الحسناء لم يغله المهر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *