الأيام الدولية واللغة الخشبية….


…كلما حل يوم من الأيام التي جعلوها عالمية وفرضوا علينا الاحتفال بها، كلما أعادوا على مسامعنا نفس الأسطوانات المشروخة ونفس اللغة الخشبية لدرجة الغثيان والقرف…. حتى لا نقول أكثر.

– في اليوم العالمي  لمكافحة السيدا -مثلا- يحذرون الشباب من مغبة عدم استعمال العازل الطبي وضرورة الاكتفاء بشريك واحد…..

– في اليوم العالمي للمرأة، يذكرونك بتوصيات بيكين حول الجاندر (النوع) ويتلون على مسامعك توصيات كوبنهاغن والقاهرة وعواصم أخرى قد لا تعرف موقعها على الخريطة. نفس الشيء يعاد عليك كلما حلت الذكرى من أجل إنعاش الذاكرة وحتى لا تنسى أوتتناسى.

– في اليوم العالمي للبيئة يذكرونك بأسطول من التوصيات والمعاهدات حول ضرورة المحافظة على البيئة  بدءاً من معاهدات بلغراد واليونسكو وPNUE مرورا بمعاهدات كيوتو، للحد من الغازات المسببة للانحباس الحراري، والتي  ترفض كل من أمريكا والكيان الصهيوني التوقيع عليها لحد الساعة رغم أنها تعتبران الأكثر تلويثا في العالم. إضافة إلى ما سبق، فجل هذه المعاهدات إنما تطبق على الدول المستضعفة ويرفع القلم فيها على الدول الغنية، بل أكثر من هذا تقوم هذه الدول المستكبرة فتتخلص من نفاياتها السامة عن طريق دفنها في أراضي وصحاري الدول المستضعفة، تارة مقابل رشاوى سخية تعطى لبعض المتنفذين والمفسدين في هذه الدول، وتارة عن طريق ضغوطات وتنازلات سياسية لا يعلمها إلا الله والعارفون بخبايا الأمور.

فأمريكا التي لا تزال ترفض التوقيع على معاهدات كيوتو تستهلك مالا تستهلكه أية دولة في العالم من البترول، حتى أن الرئيس بوش كان يقول بأن بلاده مدمنة على البترول (AMRICA IS ADDICTED TO PETROL) وهومحق في ذالك، نظرا لطول المسا فات بين المدن ولكبر حجم السيارات  وكافة وسائل النقل عندهم. فما تقطعه سياراتهم الفخمة من مسافات يعادل  المسافة بين الأرض والقمر ذهابا وإيابا لعدة مرات، وهذا يعني أن ما  تنتجه أمريكا من غازات سامة يفوق بكثير ما تنتجه العديد من الدول مجتمعة. هذا إضافة إلى ما تسببت فيه أمريكا من تلويث للأرض بداية بهيروشيما وناگازاكي والفيتنام وليس انتهاء بأفغانستان والعراق، حيث ذهبت لنزع أسلحة الدمار الشامل فإذا بها تتسبب في دمار شامل أهلك البلاد والعباد وأيبس الزرع والدرع. بل حتى الثمور التي كانت -إلى وقت قريب- مفخرة العراق، أصبحت مشبعة هي الأخرى بالإشعاعات النووية الناجمة عن الاستخدام المفرط  للأسلحة المحظورة دوليا وفق معاهدات جنيف الرابعة.

أما الكيان الصهوني فحدث ولا حرج عن إفسادها وتلويثها للبيئة، فنهر الأردن جل مياهه ملوثة نتيجة ما يلقيه المستوطنون فيه من نفايات صلبة وغير صلبة. والمياه الجوفية في الأراضي المحتلة هي الأخرى لم تسلم من التلوث بسبب ما يُلقيه هذا الكيان الدخيل من أسلحة محظورة كالتي استخدمت في مذبحة غزة الأخيرة كالفسفور الأبيض واليورانيوم المخصب والغير المخصب وما خفي كان أعظم وأبشع.

هكذا إذن يراد لنا أن نحتفل بهذه الأيام ونخلدها وفق منظورهم وفلسفاتهم وقناعاتهم واعتمادا على مرجعياتهم هم فقط ولا غير. وينبري مثقفونا بكل جد وتفاني لترديد ما يقولون دون زيادة أونقصان كأي تلميذ مجتهد  حفظ دروسه جيدا أوكأي ممثل مسرحي التزم بالنص ويستطيع الخروج عليه. ولذلك لا تكاد تسمع  من يتحدث عن هذه الأيام من منظور إسلامي أوحضاري منبثق من ثقافتنا وأصالتنا وخصوصياتنا حتى ليخيل إليك أن هذه الأمة لا أصل لها ولا فصل وليس لها ما تقوله في مثل هذه المواضيع، لذلك فهي في مقام المستمع والتابع فقط ولا يحق لها أن تبدي رأيا.

مع أن ديننا الحنيف الذي ارتضاه الله لنا وشرفنا بالانتساب إليه وحملنا مسؤولية الدعوة إليه حتى نخرج الناس كافة من الظلمات إلى النور، إنما جاء لإصلاح أمور العباد وحل مشاكلهم ومساعدتهم على إعمار الأرض وإصلاحها وفق المنهاج الرباني القويم، فهوسبحانه وتعالى خالق الكون كله وما فيه من بشر وطبيعة وإنس وجان وهوأعلم بما يصلح وما لا يصلح لمن خلقه بيديه وصوره فأحسن صورته {أفلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} فكيف يستعاض عن كل هذا باجتهادات بشرية قاصرة وتنظيرات أفرغها واضعوها من محتواها  بعدم احترامها  والالتزام بها؟؟؟

إن الحفاظ على البيئة في عقيدتنا وقيمنا ليس مجرد يوم أو أسبوع يحتفل به، بل هووظيفة أساسية وجزء أساسي من الإيمان والذي يقوم على أساس القيام بمهمة الاستخلاف في الأرض وفق ما يرتضيه خالق هذا الكون سبحانه وتعالى. ومن ضروريات هذا الاستخلاف، إصلاح الأرض وتعميرها ولا تتم هاتان العمليتان إلا بالمحافظة على البيئة نقية طاهرة كما خلقها الله وعدم تدميرها أوتلويثها بكل ما من شأنه أن يفسدها. فقد سخرها الله لنا حتى نستفيد من خيراتها ونتفيأ بظلالها ونستمتع بجمالها وبهائها ونتعبد الله بتأمل عجائبها وغرائبها، ونتأمل في صنع الله فيها. فالتأمل في ملكوت الله عز وجل من أرقى العبادات وأحبها إلى الله. ولذالك يتكرر الأمر بالنظر والتأمل في آيات الله المنظورة كثيرا وكلها ذات ارتباط مباشر بالطبيعة أوالبيئة {أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الارض كيف سطحت} {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب…} {فانظر إلى ثمره إذا أثمر وينعه}.

أما الأحاديث الواردة في ضرورة الاعتناء بالبيئة فأكثر من أن تحصى، منها قوله صلى الله عليه وسلم : >ما من مسلم يغرس غرسا أويزرع زرعا فيأكل منه طير أوإنسان أوبهيمة إلا كان له به صدقة< وقوله : >من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار< كما نهى صلى الله عليه وسلم عن التبول في الماء الراكد وعن التبرز في (الموارد وقارعة الطريق والظل) كما جعل إماطة الأذى من الطريق صدقة. وهذا أبوبكر الصديقرضي الله عنه وهو خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي خلف أسامة بن زيد رضي الله عنه، قائد الجيش المتوجه لفتح الشام  فيوصيه بعشر وصايا من بينها (…ولا تحرقوا  نخلا ولا تقعروه  ولا تقطعوا شجرا ولا تقتلوا شاة ولا بقرة إلا لمأكلة…) هذا في وقت الحرب فما بالك في أوقات السلام… فأي دين وأي قانون أوتوصيات اهتمت بالبيئة واعتنت بها كل هذا الاعتناء؟؟؟  {إنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}. ربنا لا تعمي قلوبنا ولا أبصارنا وزدنا نورا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *