كيف يصبح المسلمون قوة عظمى؟ (2)


رأينا في الجزء الأول المظاهر الخمسة للقوة في الأمم الحديثة، ووضعية المسلمين بالنسبة لكل منها. في هذا الجزء سنحاول الإجابة عن التساؤل الذي من الواجب على كل مسلم غيور على أمته المهتم بشؤونها أن يطرحه، وأن يسعى إلى الحصول على الجواب (منه ومن غيره)، وأن يجاهد بكل مؤهلاته وإمكاناته لكي يحقق قدرا من القوة لأمته في حياته وبعد مماته عن طريق توريث المنهاج والخطط لخلفه.

ب-  كيف السبيل لامتلاك المسلمين لمقومات القوة العظمى:

1-  الـمـنـهـج:

السبيل المقصودة هنا هي الخطط والاستراتيجيات والسياسات، التي يجب أن تعتمدها دول المسلمين للارتقاء إلى الوضعية التي ابتغاها رب العزة للمسلمين والتي لا تقل عن الصدارة والإمامة في كل مجالات الحياة، وفي حالة عجز هذه الدول أو لا مبالاتها انتقل الواجب إلى كافة المسلمين جماعات وأفرادا.

والمنهجية العلمية المطلوبة لرسم هذه السبيل تقوم -في نظري- على خمس خطوات أساسية، تتمثل في الإجابة على الأسئلة الخمس: كيف كنا؟ وكيف أصبحنا؟ وكيف أصبح غيرنا؟ وكيف نريد أن نكون؟ وكيف العمل لكي نصل إلى المكانة التي نبتغيها؟

فالسؤال الأول الهدف منه معرفة تاريخنا كله، سواء المستنير منه الذي كنا فيه أسياد العالم للوقوف على الأسباب والعوامل التي كانت وراء تبوئنا تلك المكانة المتميزة في كل المجالات، أو الفترات المظلمة منه للخروج بالدروس والعبر، خصوصا التاريخ القريب لأنه هو الذي أنتج حاضرنا المر. وهذا الحاضر المر بكل مظاهره وتجلياته هو الجواب على السؤال الثاني.

أما السؤال الثالث فهو يدعونا للتعرف على تجارب الآخرين الذين يحتلون صدارة الأمم في مختلف الميادين، كيف هم الآن وكيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه، و”الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها”، كما قال نبيالأمة عليه الصلاة والسلام.

وفيما يخص السؤال الرابع، فهو الوضعية المرجوة أو النتائج المنتظرة حسب الاصطلاح المعمول به في مقاربة المشروع (انظر حلقات سلسلة “ثقافة التنمية” لكاتب هذه السطور المنشورة في المحجة من العدد 266 إلى العدد 273، أو الكتاب الذي يحمل نفس العنوان من الصفحة 55 إلى الصفحة 80). بمعنى مواصفات كمية أو كيفية للدرجات التي نريد أن نحققها في المستقبل.

والسؤال الأخير يتعلق بالتخطيط للأعمال المطلوبة الموصلة إلى تحقيق الأهداف والنتائج المرجوة. ويطبق هنا كل ما هو متعارف عليه في إعداد المخططات: تحديد الإجراءات أو الأعمال المتعلقة بكل هدف ونتيجة؛ مدة وتاريخ إنجازها؛ الوسائل الموظفة في إنجازها…

إن الجواب على هذه الأسئلة، أو تطبيق الخطوات الخمس، من غير المعقول أن يقوم بها فرد أو حتى مجموعة أفراد، بل إنها تدخل ضمن مهام وأعمال الدول والمنظمات المؤهلة لذلك، سواء المنظمات القطرية أو الدولية، الحكومية أو الأهلية. وهذا لا يرفع المسؤولية على الأفراد والجماعات الصغيرة من جمعيات وأحزاب ومجموعات بحثية  وغيرها، بل من الواجب عليهم جميعا العمل كقوى اقتراحية أو جماعات ضغط على المسؤولين، أو عبر إنجاز التجارب النموذجية في مختلف المجالات والأزمنة والأمكنة حتى وإن كانت صغيرة ومجهرية من حيث الحجم، فالغرض والمبتغى من ذلك هو: إعطاء القدوة؛ وإحراج المسؤولين بالعمل وليس بالقول؛ وضمان استمرارية المنهج؛ وإبراء الذمة أمام الله وأمام الأجيال القادمة.

2-  التجارب الناجحة:

بكل تأكيد، لن يكفي ما تبقى من هذه المقالة لتقديم تجارب الآخرين الناجحة، ولكن لا بأس من الاطلاع على بعض منها بشكل مختصر.

– التجربة الأمريكية:

وهي تجربة قديمة بعض الشيء ولكنها مهمة، وأهميتها تكمن في أنها تجربة دولة حديثة مكونة من المهاجرين واستطاعت أن تصبح القوة العظمى رقم واحد في العالم وفي كل المجالات، فهي القوة الوحيدة التي تهيمن على مظاهر القوة الخمس، وبالتالي كان حتما أن تهيمن على العالم بأسره. وللوقوف على تفاصيل التجربة أقترح الاطلاع على كتاب “إمبراطورية الثروة” الذي نشر على جزأين في سلسلة عالم المعرفة سنة 2008 عددي 357 و358. فهذه الدولة عرفت أكبر حرب أهلية في تاريخ البشرية تقريبا، خرجت منها دولة موحدة قوية بنظامها السياسي والاقتصادي والمالي، تصنيع كبير وجيش قوي حيث أصبح ثاني قوة بحرية في العالم بعد البحرية الملكية البريطانية، كما أصبحت قوة فلاحية كبيرة، ونشطت فيها حركة البحث العلمي والاختراع.

وبعد الحرب العالمية الأولى ستخسر أوروبا مركز الحضارة الغربية لينتقل إلى غرب الأطلسي، إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت القوة الاقتصادية الأولى في العالم  حيث أصبحت سلعها الفلاحية والصناعية تغزو مختلف بقاع المعمورة وتنافس السلع الأوروبية. كما أصبحت القوة المالية الأولى في العالم،  حيث انتزعت المركز المالي العالمي من بريطانيا، وانتقلت من دولة مدينة قبيل الحرب إلى دولة دائنة بعيد الحرب، ومن الدول المدينة لها نجد كلا من بريطانيا وفرنسا التين كانتا تقتسمان العالم تقريبا فيما بينهما.

وبعد الحرب العالمية الثانية ازدادت قوتها، حيث كان إنتاجها القومي يشكل نصف الإنتاج العالمي (الآن الربع تقريبا)، وأصبح الدولار عملة عالمية. وأصبحت القوة العسكرية الأولى بلا منازع، بل إن قوتها البحرية والجوية كانتا تفوقان كل ما لدى دول العالم، والآن تفوق ميزانيتها العسكرية كل ميزانيات دول العالم مجتمعة. والأكثر من ذلك أصبحت هي القوة السياسية الأولى في العالم، حيث ورثت تركة بريطانيا العظمى، وأصبحت أمريكا اللاتينية تنعث بحديقتها الخلفية، وانتشرت قواعدها العسكرية في جميع القارات. وأصبحت هي قاعدة العلم والتكنولوجيا الأولى، وقبلة العلماء والباحثين.

والخلاصة هي أن تجربة أمريكا هي نموذج للاستثمار والتوظيف الجيد للحروب، خصوصا في التطور التكنولوجي، حيث كل المخترعات المتميزة التي تنتشر حاليا (ومستقبلا أيضا)، تم استخدامها من قبل الجيش والأجهزة الأمنية الأمريكية، ولم يسمح لها بالانتقال إلى الاستخدام المدني إلا بعد استنفاذ الغرض منها عسكريا أو بعد ظهور مستوى متطور منها.

كذلك كان للدور الجغرافي والديموغرافي أهمية قصوى، فالدولة هي عبارة عن قارة تمتد على مساحة تصل إلى 10 ملايين كلم مربع تقريبا. وسكان يبلغ عددهم حاليا أكثر من 300 مليون نسمة، نسبة منهم أصلهم مهاجرين من مختلف بقاع العالم، حيث تستقبل أمريكا سنويا أكثر من 700 ألف مهاجر، معظمهم من الأدمغة والأطر الجاهزة. هذا بالإضافة إلى كثرة وتنوع مواردها الطبيعية. وهذه الشروط الثلاثة (الجغرافيا والديموغرافيا والموارد الطبيعية) لا تتوفر مجتمعة إلا في عدد قليل من الدول، وبالتالي فإن احتمال بروز قوة عظمى منافسة في المستقبل لأمريكا سينحصر في ست دول هي: الصين والهند والبرازيل وروسيا وكندا واستراليا، وباقي الدول ومنها دول المسلمين الحالية فلا تتوفر على هذه المقومات إلا إذا توحدت وكونت دولا كبرى أو تكتلات قوية مثل ما فعل الاتحاد الأوروبي.

– التجربة الآسيوية الحديثة:

هي في الحقيقة تجربة مجموعة دول، متفرقة ولم تكن مجتمعة، ولكن مسارها واحد تقريبا (الصين والهند وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وطايوان…)، وهي تجربة متفردة لكونها بلغت أهدافها في أقل من ثلاثة عقود.

هذه التجربة ركزت في البداية على مسألتين في غاية الأهمية، هما: تعميم التعليم ومحاربة الجوع، وأنا أسميها بمرحلة محاربة الجيمين (حرف الجيم) الجهل والجوع، وليس محاربة الفقر، فهناك اختلاف، ففي الهند مثلا ما زال الفقراء يشكلونأكثر من نصف المجتمع، ويسكنون على الرصيف أو على شجرة ولكنهم يرسلون أبناءهم إلى المدرسة، ونحن نريد القضاء على دور الصفيح والسكن العشوائي والسكان غارقون في الأمية، والمدرسة عبارة عن فصول في الهواء الطلق تحت ظل شجرة وأحيانا بدون كراسي وطاولات ولكن بالصبورة وبوجود معلم كفء مخلص في عمله، ونحن نبني المدارس ولا نبني المعلمين الجيدين والمناهج المناسبة. وبالنسبة لمحاربة الجوع، عرفت هذه الدول ما سمي بالثورة الخضراء التي استهدفت تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء.

ولما تم القضاء على الجهل والجوع، قاموا بتعميم التصنيع، بجلب الاستثمارات الأجنبية اعتمادا على عمالتهم الرخيصة والمدربة وعلى الإعفاءات الجمركية حيث انتشرت المناطق الحرة.  في البداية كان التصنيع يعتمد على إنتاج السلع التابعة للماركات العالمية والشركات المتعددة الجنسيات، إما بالترخيص أو بالتقليد، وبعد أن توفرواعلى قاعدة صناعية بدؤوا يصنعون منتوجاتهم الخالصة، حتى غزت كل أسواق العالم.

وبعد تعميم التعليم انتقل الاهتمام بالجودة وبالبحث العلمي، وهكذا بدأت العديد من جامعاتهم ترتب في المراتب المتقدمة ضمن لائحة ال500. كما أن نسبة كبيرة من الطلاب والباحثين الذين يتوجهون إلى قبلة العلم الحالية أي أمريكا هم من هذه الدول. وهنا أعطي مثالا عن كوريا الجنوبية التي في منتصف الثمانينات، وبعدما أصبح نصف سكانها حاصلون على الباكلوريا و 2 بالمائة فقط من السكان هم من لا يعرف القراءة والكتابة، بدأت التخطيط الجدي للبحث العلمي، فأعدوا مخططا لتكوين 60 ألف عالم (عدد السكان حاليا 50 مليون نسمة) في أفق سنة 2000، وبالفعل تحقق هذا الهدف والدليل على ذلك هو احتلالها للرتبة الرابعة حاليا في عدد براءات الاختراع، حيث تفوقت على عدد من الدول الصناعية الكبرى بما فيها الصين التي أصبحت ثاني قوة اقتصادية في العالم والمتوقع منها أن تزحزح أمريكا عن الرتبة الأولى في أفق سنة 2015 أو 2020. وبالمقارنة نجد بعض الدول العربية البترولية تبني الجامعات الضخمة وتصرف عليها المليارات من الدولارات، ولكن بدون نتيجة لأنها استوردت كلا من الأساتذة والطلبة كما تستورد السيارات الفارهة.

وبفضل امتلاكها للقوتين الاقتصادية والعلمية، بدأت هذه الدول تمتلك ناصية القوة العسكرية، خصوصاً الصين والهند، القوتان النوويتان، والجيشان الكبيران من حيث عدد الجنود، وامتلاكهما لتكنولوجيا غزو الفضاء، كما أن الهند أصبحت ثاني قوة بحرية في العالم.

وخلال الأزمة المالية الحالية ظهرت الصين كقوة مالية كبيرة بسبب عائداتها الكبيرة من العملات الصعبة نتيجة ارتفاع صادراتها خصوصا السلع الصناعية، حيث أضحت الصين هي مصنع العالم.

والخلاصة أن هذه الدول استطاعت أن تصبح قوى اقتصادية صاعدة في وقت قياسي، من خلال تركيزها على التعليم والبحث العلمي وتوفير الضروريات للحياة مثل الغذاء والصحة. وفي غضون العقد القادم ستكلل التجربة الآسيوية بامتلاك القوة السياسية.

د. أحمد الطلحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *