كيف يصبح المسلمون قوة عظمى؟ (1)


photo ettalhi

د. أحمد الطلحي(*)

لا يختلف اثنان في العالم أن المسلمين هم أضعف الأمم اليوم، وأنهم يحتلون مؤخرة لوائح ترتيب الدول في جميع المؤشرات: مؤشر التنمية البشرية؛ مؤشر الشفافية؛ مؤشرات الحريات العامة؛ مؤشر التنافس… وحتى إذا حصل بعض الاستثناء فهو لا يغير شيئا من الوضعية العامة لمجموع دول المسلمين، وليس الدول الإسلامية لأن الدول التي يصنعها الإسلام تكون من القوة والتميز ما يجعلها في مقدمة دول العالم إن لم تكن هي التي تقوده.

فما هي مظاهر القوة الحديثة؟ وكيف السبيل لكي يمتلكها المسلمون؟ حتى يصبحوا مصنفين  ضمن القوى العظمى.

أ- مظاهر القوة الحديثة:

يمكن حصر مظاهر القوة الحديثة في خمسة: القوة السياسية؛ القوة العسكرية؛ القوة الأمنية؛ القوة الاقتصادية؛ والقوة العلمية.

1- القوة السياسية:

والمقصود بها قوة الجهاز الدبلوماسي، والتحكم في العلاقات الدولية، وأن يكون للدولة كلمة ورأي مسموعين في مختلف القضايا التي تهم دول العالم. وتنطبق هذه المواصفات على الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن المالكة لحق النقض، تنضاف إليها بعض الدول التي أصبح لها دور على المسرح الدولي كألمانيا وبدرجات أقل: اليابان وإسبانيا وإيطاليا وأستراليا… أما الدول الإسلامية المتميزة في هذا المجال فينحصر دورها فقط في المحيط الإقليمي، ولا يتجاوز عددها دولتين هما: تركيا وإيران، وما عدا ذلك فهي دول ضعيفة وتابعة، بما فيها تلك التي يقال عنها أنها محورية، ولكن محوريتها تتمثل في تنفيذ سياسات الدول العظمى، ولعب دور العراب والدركي لا غير.

2- القوة العسكرية:

وتتمثل في الجيوش المدربة والمكونة والمنتشرة في عدد من المواقع الاستراتيجية خارج الحدود القطرية، والتي بإمكانها الانتشار وإعادة الانتشار والتدخل السريع والفعال في مختلف بقاع العالم. وهي الجيوش التي تتوفر على أحدث الأسلحة التي أنتجتها مصانع بلدانها، وابتكرتها أو طورتها مختبرات بلادها، بل هي الجيوش التي تمتلك سلاح الردع المتمثل أساسا في أسلحة الدمار الشامل، والتي تحتكر أسلحة جديدة مازالت أسرار تصنيعها لا تتجاوز جدران المختبرات التي اخترعتها. وهي الجيوش التي تتوفر على قوة ضاربة في سلاحي الجو والبحر، ذلك وأنه منذ الحرب العالمية الثانية أصبحت كلا من القوات الجوية والبحرية هي الفاصلة في الحروب، وليست فقط القوات البرية. الجيوش التي تعتمد على التكنولوجيات الحديثة، والتي لا وجود فيها للأميين وأشباه الأميين، والتي يقودها جنرالات في الأربعينات وليس الشيوخ والعجزة.

وهذه الأوصاف لا تتوفر كذلك إلا في ست دول، هي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى الهند، متبوعة أساسا بما تبقى من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي -الناتو- على تفاوت في الإمكانات والقدرات والإرادات أيضا.

أما الدول الإسلامية -فباستثناء تركيا العضو الوحيد في الناتو من العالم الإسلامي، وإيران وباكستان اللتان تجتهدان في امتلاك التكنولوجيا العسكرية- فباقي جيوش المسلمين ما هي إلا حرس للأنظمة الحاكمة، ووسيلة للتربح بالنسبة للحكام وعائلاتهم وأعوانهم، فقطاع الدفاع هو القطاع الأكثر فسادا لأن ميزانية الدفاع وصفقات الأسلحة تكون في الغالب سرية، وهذا ما يساعد بقوة على انتشار الرشاوى والعمولات. وهذا ما يفسر احتلال عدد من دول المسلمين المقدمة في لائحة ترتيب الدول الأكثر شراء للأسلحة وللعتاد العسكري (وليس الأكثر تسليحا)، مع أنها لا تخوض الحروب للدفاع عن الأمة ومقدساتها ولا تنوي خوض هذه الحروب، ولا تستعمل هذه الأسلحة حتى في المناورات والتدريب، بل إن جيوشها المكونة من العجزة في القيادة ومن الأميين في القاعدة لا تصلح للخدمة العسكرية العصرية أصلا.

3- القوة الأمنية:

وهي تتمثل في جميع الأجهزة التي توفر الأمن للمواطنين كأفراد أو كشعب (أمن الدولة أو الأمن العام)، من شرطة بكل اختصاصاتها (شرطة المرور؛ شرطة مكافحة المخدرات؛ شرطة الآداب العامة؛ الشرطة العلمية؛ الشرطة الإلكترونية…) وفرق التدخل السريع واستخبارات… على أن قوة الأمن لا تمنع من ازدياد ارتكاب الجرائم، لذلك فالقوة الأمنية معناها هو القدرة على جمع المعلومات والانتشار المتوازن في جميع مناطق البلاد، والقدرة على ملاحقة المطلوبين حتى خارج الحدود القطرية.

وهذه القوة نجدها متوفرة في أغلب الدول المتقدمة، والتفاوت بينها يكاد يكون بسيطا، بما في ذلك محاربة الجريمة المنظمة والعمليات الاستخباراتية. بحيث نجد دولا متقدمة مشهورة في المجال الاستخباراتي بالرغم من صغر حجمها الديمغرافي أو الاقتصادي وبالرغم من ضعف دورها الدبلوماسي أو العسكري. ومع ذلك يمكن تصنيف المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي وسكتلانديار البريطاني في المقدمة على الصعيد العالمي.

أما دول المسلمين فهي في معظمها يسودها الأمن، ولكنه نسبي ومرده إلى قوة تدين المسلمين بالإسلام والتزامهم بآدابه وأخلاقه رغم ما لحق هذا التدين والالتزام من ضعف في مختلف الميادين، وبالرغم من الضعف الكبير لجميع الأجهزة الأمنية، والاستثناء الوحيد البارز هو الاستخبارات الموجهة ضد المواطنين والنجاح الباهر للتضييق الأمني على الحريات العامة وبعض الحريات الفردية. أما ما يتعلق بالأداء الأمني ضد الأعداء الخارجيين فالحصيلة تكاد تكون صفرا.

4- القوة الاقتصادية:

والمؤشرات المعتمدة في الغالب هي: الدخل القومي؛ متوسط الدخل الفردي؛ النمو الاقتصادي السنوي؛ معدل البطالة؛ مؤشرات الأسواق المالية؛ نسبة التضخم؛ الاحتياطي من العملات؛ الميزان التجاري؛ حجم الميزانية الوطنية؛ عدد الشركات المتعددة الجنسيات؛ نسبة القطاع الصناعي من الدخل القومي؛ مؤشر الشفافية؛ مؤشر التنافس؛ مؤشر الدول الفاشلة…

وبالنظر إلى هذه المؤشرات فالعالم أصبح ينقسم إلى ثلاث مجموعات: الدول المتقدمة الغنية؛ والدول الصاعدة (في مقدمتها الصين؛ الهند؛ البرازيل؛ روسيا)؛ والدول الفقيرة والنامية.

ومؤخرا تشكلت مجموعة اقتصادية كبرى هي مجموعة العشرين التي تحتكر 90 بالمائة من الاقتصاد العالمي. وهناك ثلاث دول إسلامية فقط تتمتع بعضوية هذه المجموعة هي: تركيا والسعودية وأندونيسيا (بهذا الترتيب)، وباقي الدول الإسلامية تصنف ضمن باقي العالم الذي يشترك في ال 10 بالمائة المتبقية من الاقتصاد العالمي. على أن تركيا لم تحقق هذه الوضعية إلا بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم سنة 2002، حيث تضاعف دخلها القومي في ثماني سنوات وتعافى اقتصادها من الفساد والتضخم وستشهد قفزة قوية إذا تم قبولها في الاتحاد الأوروبي. بينما السعودية لم تكتسب هذه الوضعية إلا بفضل الوفرة المالية  المتأتية من البترول وليس من الاقتصاد الإنتاجي. فيما أندونيسيا مازالت تعاني من فقر السكان (أكثر من 240 مليون نسمة) رغم النمو الاقتصادي الذي بدأت تعرفه.

5- القوة العلمية:

أهم المؤشرات المعمول بها لقياس القوة العلمية والثقافية والتكنولوجية للدول: نسبة العلماء من كل ألف نسمة؛ عدد براءات الاختراع في السنة؛ نسبة الميزانية المخصصة للبحث العلمي من مجموع الدخل القومي؛ ترتيب الجامعات على المستوى الدولي؛ عدد عناوين الكتب التي يتم تأليفها سنويا؛ متوسط عدد نسخ الجرائد لكل مواطن…

وطبعا نجد الدول المتقدمة والدول الصاعدة هي التي تحقق أعلى الأرقام، بينما الدول النامية والفقيرة ومنها الدول الإسلامية لا تكاد تذكر بالنسبة لبعض المؤشرات. فغالبية الدول لا تتعدى نسبة الميزانية المخصصة للبحث العلمي 1 بالمائة من الدخل القومي، والمطلوب أن تتراوح ما بين 2.5 و5 بالمائة (في إسرائيل 4 إلى 5 بالمائة). وفيما يخص عدد براءات الاختراع، فالعالم العربي لا يتجاوز العدد فيه 200 براءة اختراع في السنة (المغرب 23 براءة)، بينما في إسرائيل حوالي 1900 اختراع وفي تركيا 370 وماليزيا 180، وطبعا لا مجال للمقارنة مع الدول الصناعية والدول الصاعدة، حيث مازالت تحتكر الولايات المتحدة الأمريكية حوالي نصف عدد براءات الاختراع في العالم (بمعدل 3500 براءة اختراع أسبوعيا) متبوعة ب: اليابان 28774؛ ألمانيا 18428؛ كوريا الجنوبية 7908؛ فرنسا 6867؛ الصين 6089؛ بريطانيا 5517).

أما ترتيب الجامعات فتلك فضيحة أخرى، فلم تحتل مؤخرا أية جامعة عربية الرتب ال500 الأولى في العالم من أصل 14 ألف جامعة في العالم (سواء الترتيب الصيني أو ترتيب ويبو ميتريك الإسباني).

الخلاصة: مؤلمة جدا بالنسبة لوضعية المسلمين كأمة أو كدول، والمسافة الفاصلة بينهم وبين الأمم الأخرى تزيد اتساعا. ولكن لا بد أن يبقى الأمل، أمل الخروج من هذه الوضعية الذليلة إلى الوضعية التي ارتضاها لنا رب العزة “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، فكيف السبيل إلى ذلك؟ هذا ما سنحاول معالجته في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

——————

(*) إطار بوزارة الإسكان والتعمير والتنمية المجالية

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *