حول المشروع الحضاري


بعد أن تساقطت جلّ المشاريع الحضارية الوضعية والدينية المحرفة، يغدو تقديم المشروع الحضاري الإسلامي البديل ضرورة لازمة للإنسان المعاصر. وبدلاً من ملء الفراغ بمحاولات أخرى من حلقات الخطأ والصواب التي تهدر فيها الطاقات ويضيع الزمن ويزداد المرء تعاسة، لابدّ أن يشمّر المسلمون عن ساعد الجدّ لتأكيد مصداقية دعوتهم، وتقديم البديل الذي يعد ـ إذا استخدمنا عبارة المفكر الفرنسي كارودي ـ بالإجابة على أسئلة القرن العشرين والقرن الخامس والعشرين !

ولكن كيف ؟ ليس بالأماني والأحلام.. بكل تأكيد.. وإنما بالفاعلية المتواصلة التي تقوم على التخطيط وتحديد أولويات العمل من أجل استكمال البناء وفق أشد الطرق عطاءً وإحكاماً.

والحديث عن هذه الأولويات في عجالةٍ كهذه قد لا يعالج كل المفردات الضرورية، ولكن بالإمكان التأشير على المهم فقط.فالإسلاميون يجب -أولاً- أن يكونوا على بيّنة من طبيعة المشروعات الحضارية “للآخر” والأسباب التي آلت بها إلى الإخفاق، أي أن يكونوا على وعي عميق بنسيج الحضارة الغربية وحلقاتها المعرفية، وخاصة في دائرة ما يسمى بالعلوم الإنسانية، لأن هذه بالذات هي الثغرة التي يتسرب منها الخلل والفساد، وهي أيضاً البوابة التي سيجتازها المشروع الحضاري الإسلامي لكي يقدم البدائل المناسبة، بدءًا من الثوابت العقدية وانتهاء بالتعامل مع الإنسان والمجتمع والدولة والحضارة. وهذا يعني -من جهة أخرى- ضرورة التحقّق بإدراك شامل لأسس التصوّر الإسلامي ومقوّماته مقارنة بما قدّمته المحاولات الأخرى. بمعنى أننا نتعامل مع “إسلام” يملك الفاعلية في قلب العصر الذي نعيشه ويملك معها القدرة على الإجابة على كل الأسئلة المعلّقة التي تؤرّق الإنسان المعاصر والتي عجزت المحاولات الأخرى عن الإجابة عليها.

مهما يكن منأمر فإن “الفكر” باعتباره القاعدة الأساسية للعمل في هذه الاتجاهات جميعاً، يحتّم على الإسلاميين القيام بمحاولات متواصلة لتحديد ثوابته الإسلامية بما في ذلك التصوّر المعرفي الذي يستند إليه، والذي ينطوي على الوحي والوجود معاً، وبما في ذلك المقاصد الشرعية التي هي الهدف الأساس لكل نشاط فكري في دائرة الإيمان.

إن نشاطاً كهذا لم يعد بمقدور الأفراد أن يأتوا فيه بطائل، ولابدّ من عمل مؤسسي تلّم فيه الطاقات وترشّد الخطوات وتحدّد أولويات العمل. ومن ثم فان مؤسسات “كالمعهد العالمي للفكر الإسلامي” و”رابطة الأدب الإسلامي العالمية” أو بيوت التمويل الإسلامية، أو الجامعات التي تعتمد مناهج إسلامية أصيلة.. تعد ضرورة لا خيار فيها باتجاه وضع الخطوات الصحيحة على الطريق. ولقد قطعت بعض هذه المؤسسات بالفعل عبر العقود الأخيرة، مراحل في الطريق، ولا يزال ينتظرها الكثير.

والأهم من ذلك أن مؤسسات كهذه، بوضعها الراهن، تقدم إغراءً لقيام مؤسسات أخرى تعين على تحقيق مقاربة أكثر للأهداف.

وكلما اتسع نطاق المحاولة على المستوى المؤسسي، ورافقها في الوقت نفسه تعاون وتنسيق بين هذه المؤسسة وتلك، تجاوز الإسلاميون إشكالية البدء من نقطة الصفر بكل ما ينطوي عليه ذلك من هدر للطاقات وتضييع للزمن.

وأخيراً فلابدّ من الإشارة إلى أن حلقتْي التربية والتعليم، والثقافة والإعلام، يمكن أن تضطلعا بالقسط الأكبر في كل بلد إسلامي للإعانة على بلورة المشروع الحضاري وإنضاجه والاقتناع بجدواه.. إذ بدون هذه القناعة لا يمكن أن نقطع خطوة واحدة صوب الأهداف المرتجاة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *