الطيب ينفعك، والخبيث يؤذيك


ذ. محمد ابن شقرون

قديما قالوا : قل لي من ترافق، أقل لك من أنت. ويقال أيضا : الإنسان ابن بيئته.

من هذه الأمثلة، وغيرها، يفهم أن الإنسان يعيش وسط مجتمع مكون من أفراد وجماعات، والناس فيه أصناف ومعادن، والعلاقات الإنسانية ضرورية لتتم الرسالة التي من أجلها خلق الله سبحانه هذا الإنسان، فعلى نطاق الأسرة، مثلا وهي الخلية الأولى لكل مجتمع، يعيش الفرد وسط أعضاء تختلف عقلياتهم وأمزجتهم، من حيث السلوك، والأخلاق، ومن حيث المصالح المشتركة والخاصة، لكن هناك رابطة قوية تحت ظل الأبوين اللذين يبذلان جهودا كبيرة من أجل تمتين الصف الأسروي، على الأقل في المراحل الأولى لحياة الأفراد، قبل أن يُكوِّن كل واحد أسرته ويستقل بذاته.

أما على نطاق المجتمع، فهناك علاقات بين فرد وآخر وبين فرد وجماعة، وبين جماعة وأخرى مثلها، ودائما يبقى الفارق واضحا في الطبائع والعقليات والميولات الخاصة.

فأنت أيها القارئ الكريم ترافق أشخاصا تستأنس بهم وتجد الراحة والطمأنينة معهم، طبعا بعد الاحتكاك والتعامل معهم. وقديما قيل أيضا : لا تمْدَحْ لا تذمْ مَنْ لاَعاشرْت عَامْ، يفهم منه الذين وضعت ثقتك فيهم، والذين يحافظون على أسرارك الخاصة، وتجد صدورهم، دائما مفتوحة إليك، يبشون في وجهك كلما التقيت بهم، وتجد المساعدة الكاملة منهم، يجتهدون دائما فيما يسعدك، مثل هؤلاء تشبعت قلوبهم بتقوى الله جل جلاله، وخبروا الحياة حلوها ومرها، وعرفوا أن أخاك من واساك في السر والعلن، لا من يظهر لك شيئا ويضمر عكسه، مثل هؤلاء، وإن كانوا قليلين لا بد لك منهم، فابحث عنهم. فالحياة ليست سهلة هينة، كما يظن البعض، والخير لا يخلو من هذه الأمة على الدوام.

يبقى بعد ذلك كيف تكسب مثل هؤلاء الإخوة الذين تتوفر فيهم شروط الأخوة؟

اقرأ، أخي العزيز، وافسح المجال لفكرك بتدبر ويتعمق في المعاني القريبة والبعيدة في معنى هذ الحديث الشريف :

فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : >إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما ان تجد منه ريحا  طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، إما أن تجد منه ريحا منتنة<(رواه البخاري ومسلم).

الكثير منا يقتني عطرا ، طبعا من بائع العطور. فبمجرد وصولك إلى متجره، وفي جميع البلدان وبدون استثناء ما إن تقرأ عليه السلام وتطلب نوعا من العطور، حتى  يريك علبة أو زجاجة ثم يرش يديك منه لتتأكد من رائحته الطيبة وتقبل شراءه.

إذا فبائع العطور ينفحك بعطره أو يعطيك منه أو يهديك، هذه المعاني هي المقصودة، والله أعلم.

من معنى ما ورد في الحديث الشريف صلى الله عليه وسلم : >فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن  تبتاع منه..<.

في لسان العرب الجزء الرابع عشر ص 171 : أحذاه يحذيه إحذاء وحذية وحذيا مقصورة وحذوة إذا أعطاه.

ففي الحديث الشريف تشبيه بليغ بمن يجالس الصالحين من هذه الأمة المرحومة، بإذن الله فهم الذين يزودونك بالزاد الروحي الذي ينفعك دنيا وأخرى، ويجعلونك ترقى في مدارج الإيمان إلى أن تلقى الله سبحانه وهو عنك راض.

قال الشاعر :

صحبة الصالحين بلسم قلبي

إنها للنفوس أعظم راقي

ابتعد أخي القارئ عن مجالس السوء والأشرار من الناس، الذين شبههم صلى الله عليه وسلم بنافخ الكير وهو الحداد الذي يؤذي شرر ناره وسواد دخانه ولا يصيبك منه إلا الخزي والهم والغم دنيا وأخرى. والإشارة هنا -بطبيعة الحال- إلى ما في معنى مهنة الحدادة، لا بأشخاص الحدادين أنفسهم.

ويرد المثل في القرآن الكريم والحديث الشريف للشأن العظيم والأمر الغريب وتقريب البعيد وتوضيح المبهم.

قال تعالى : ٍ{وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}(العنكبوت : 43).

والأمثال كذلك تؤثر في النفوس، ولذلك أكثر منها القرآن الكريم والحديث الشريف. وقد اقتطفت من الشابكة (الانترنيت) هذين النصين المتعلقين بما يدور حول معنى الحديث الشريف : وقد أخذا من خطبة يوم الجمعة بمكة المكرمة بتاريخ 27-5-1422هـ لفضيلة الشيخ عمر السبيل اختصرته في السطور التالية :

إن شر الأصحاب على صاحبه، وأسوأهم أثرا على جليسه، من ضعفت ديانته وساءت أخلاقه، وخبثت سريرته، ولم تحمد سيرته، من لا هم له إلا في تحقيق مآربه وأهوائه، ونيل شهواته ورغباته، وإن كان على حساب دينه ومروءته، ولربما بلغ الحال في بعض هؤلاء ألا يقيم للدين وزنا، ولا للمروءة اعتبارا، ولا يرى  للصداقة حقا، فمؤاخاة هذا وأمثاله ضرب من العناء، وسبيل من سبل الشقاء، لما قد يجلبه على صاحبه وجليسه من شر وبلاء بصده عن ذكر الله وطاعته، وتثبيطه عن مكارم الأخلاق ومقتضيات المروءة، وتعويده على بذاءة اللسان والفحش في الكلام، وحمله على ارتكاب أنواع من الفسق والفجور والأخذ به على سبيل اللهو واللعب، وضياع الأوقات فيما يضر ولا ينفع من أنواع الملهيات والمغريات، وتبذير الأموال في صنوف المحرمات.

ولنتأمل يا عباد الله في حال من ابتلوا بإدمان المسكرات وتعاطي المخدرات، واقتراف الفواحش والمنكرات، واكتساب الأموال المحرمة من ربا ورشوة وغيرها من المكاسب الخبيثة، وما هم عليه من سوء الحال في أنفسهم وأهليهم وما كان لهم من أسوأ الأثر على من يخالطهم ويصافيهم.

فمن شقاء المرء أن يجالس أمثال هؤلاء الذين ليس في صحبتهم سوى الحسرة والندامة، لأنهم ربما أفسدوا عليه دينه وأخلاقه، حتى يخسر دنياه وآخرته وذلك هو الخسران المبين، والغبن الفاحش يوم الدين كما قال سبحانه : {ويوم بعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا}(الفرقان : 27-29)

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما يا أرحم الراحمين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *