شـعــيـرة الأذان


الأذان للصلاة مفتاح الخير كله، مغلاق للشر كله، إنه دعوة إلى الدخول في رحاب الله، والإيمان به عقيدة وعملا، والاتصال به ذكرا وشعورا، والانقياد له إخلاصا لجلاله، وتحررا من المادية. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون}(الجمعة : 9).
وإذا كانت هذه الآية الكريمة خاصة بالنداء للصلاة من يوم الجمعة، فإن هناك آية كريمة أخرى تشمل النداء للصلاة في كل أوقات الصلاة. قال تعالى : {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة}(النور : 36).
والأذان معناه الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة، وهو يشتمل على مسائل العقيدة والعبادة معا، وقد ورد لفظ الأذان والمؤذن في القرآن الكريم. قال تعالى : {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولُهُ}(التوبة : 3).
وقال تعالى : {ثم أذَّن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون}(يوسف : 70).
وقال تعالى : {وأذّن في الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر}(الحج : 25).
إن الأذان يصب في قلب المؤمن جميع مشاعر الولاء لله تعالى، إنه يربط أولياء الله ربطا وثيقا، ويشدهم إلى الحق عز وجل. إنه يدعو المسلمين إلى أن يكون الدين كله لله، إنه يغرس في نفوسهم أن لله أكبر من كل كبير فهم لا يخشون أحدا إلا الله. إن الأذان مناشدة من المخلوق لخالقه أن يعينه على أداء الصلاة التي هي عماد الدين، وصلة بين العبد وربه. إن الأذان تذكير غير مقطوع بالله، وبأن سيدنا محمدا الصادق الأمين، قد بلغ ما أنزل إليه من ربه، فقد أدى الأمانة، ونصح الأمة، وأقامها على المحجة البيضاء، وطهرها من رجز الشرك وعبادة الأوثان، وبذلك وصفت الأمة الإسلامية بخير أمة أخرجت للناس، ما دامت تتأسى به.
الأذان طريق إلى الفلاح الذي هو خصيصة المؤمنين الذين أثنى عليهم ربهم في قوله : {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}(المؤمنون : 1- 2).

هذا الأذان الذي تتردد أصداؤه في مختلف جوانب الأرض كل يوم خمس مرات في أوقات مختلفة، فيشد المؤمنين إلى بعضهم ويمنحهم طاقات كبيرة من الترابط والتعارف وعدم التمايز الذي هو سبيل تعاونهم، لأنه لا تعاون بغير ارتباط وتعارف، ولا تكاثف وتكافل إلا بنبذ التمايز. هذا الأذان كيف تمت مشروعيته في الاسلام؟ لقد اخْتُلف في أي وقت كان ابتداء مشروعية الأذان. فقيل نزل على رسول الله مع فرض الصلاة في حادثة الإسراء والمعراج حيث علمه جبريل عليه السلام ألفاظ الأذان، كما علمه كيفية أداء الصلوات الخمس في أوقاتها، وقيل غير ذلك كما سيأتي بيانه :
كان الناس في عهد رسول الله ، قبل مشروعية الأذان، ينادي منادي الرسول : الصلاة جامعة، فيجتمع الناس، فلما تحولت القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بمكة، أمر بالأذان، وكان رسول الله قد أهمه أمر الآذان، فذكر الصحابة أشياء ليجمعوا بها الناس للصلاة، فقال بعضهم : نستعمل البوق، وقال بعضهم نستعمل الناقوس، وقال آخرون بنصب راية أو إشعال نار عند حضور وقت الصلاة، فانصرف عبد الله بن زيد الخزرجي الأنصاري وهو مهتم لِهَم رسول الله ، فرأى في منامه رجلاً عليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس، فقلت : يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال : وما تصنع به؟ فقلت : ندعو به إلى الصلاة، قال : أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت : بلى. قال : تقول : الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
فلما أصبحت أتيت رسول الله ، فأخبرته بما رأيت : فقال : >إنها لرؤيا حق إن شاء الله” فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى منك صوتا<(أحمد).
قال : فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به. وكان عمر بن الخطاب ]، قد رأى مثل ما رأيت فكتمه، ثم أخبر الرسول ، فقال له : ما منعك أن تخبرني؟ فقال : سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت.
وبعد أن اتخذ الأذان طريقة إلى واقع المؤمنين عند دخول وقت الصلاة المفروضة، بقي يُنادى في الناس : الصلاة جامعة لأمر هام حدث، فيحضرون وإن كان في غير وقت الصلاة.
قال رسول الله : >إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن<(البخاري)
. وذلك مستحب إلا في الحيعلتين وهما حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله. ويشرع للمؤذن التثويب، وهو أن يقول في أذان صلاة الصبح بعد حي على الفلاح : الصلاة خير من النوم، قال أبو محذورة : يا رسول الله علمني سنة الآذان، فعلمه، وقال : >فإن كان صلاة الصبح قلتَ : الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله<(أبو داود).
ورد في فضل الأذان والمؤذنين أحاديث كثيرة منها : قوله : >لو يعلم الناسُ ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا<(مالك).

وقال : >إن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة<(أحمد). وقال : >من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة<(البخاري).
إن شعيرة الأذان، إعلام متميز في الأمة المسلمة لا نظير له في أي مكان على وجه الأرض، فهو دليل على تمسك المسلمين بشعائر دينهم، وبه يُعرف المجتمع المسلم ومدى حرصه على مبادئ دينه الحنيف.

ذ. أحمد حُسني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *