الصناعة القرآنية بغزة المجاهدة


ذ. أبوالقاسم بوعزاوي

يقول الله سبحانه وتعالى :{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}(الأحزاب : 10).

لقد حوصرت غزة من كل جانب  فالبحر من الغرب وبني قريظة من الشمال و الشرق  وتخاذل ونفاق أبناء العمومة من الجنوب الغربي.

فماذا قال المنافقون؟ ماذا قال ضعفاء الإيمان؟ وبماذا تحدث المرجفون حينما حوصرت غزة؟

{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً}(الأحزاب : 12) {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً}(الأحزاب : 15).

فماذا قال أهل غزة الصامدة : {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}(الأحزاب : 22).

فقد ابتلى الله أهل غزة و امتحنهم بل واختبر الأمة ليظهر غثها من سمينها يقول سبحانه و تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}(الأنفال:37)، و يقول في سورة العنكبوت: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}(العنكبوت:2) قوله: {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}(الأحزاب : 11) أصل الزلزلة الحركة، كأن المؤمنين زلزلوا وحركوا حركة شديدة، حركة في المكان الذي هم فيه بحيث إنه يروح ويجيء في المكان، لا يستطيع أن يثبت فيه. فقوله: {وَزُلْزِلُوا} اضطربت القلوب وخافت من شدة الرعب، وكان الاضطراب في النفس وفي القلب من شدة الرعب والخوف……

إن ما يجري في القطاع ويتحمله الشعب الفلسطيني في هذه الرقعة الضيقة من الأرض، وتحمله لكل هذا القتل، وصموده في الميدان، وبقائه شامخا، صابرا، صامدا هو بمثابة معجزة من معجزات الله في هذه المرحلة ولينظر إليها ويتعلم منها كل أحرار العالم”. كما قال رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية لكن ما هو السر وراء هذا الصبر و الثبات؟ إنه صنيع القران الكريم ، فأهل غزة  تشبثوا به وتمسكوا بحبله المتين ، حتى صاروا من نماذج قرآنية تذكرنا بعهد خير القرون  . فبالله عليكم كيف تسقط الأطنان من المتفجرات و تدمر البيوت على أهلها و تقصف غزة بالقنابل الفسفورية ورغم ذلك ما زادهم إلا إيمانا وتثبيتا؟!

إن ما يجري في قطاع غزة هو بحقٍّ آية من آيات الله تعالى  وأن تشبت الغزيين بكتاب الله جعلهم من طينة متميزة ، إنها الصناعة الثقيلة التي يخشاها الأعداء و يعرفون قدرها ،ويضربون لها ألف حساب ،  فأهل غزة يستشعرون عون الله سبحانه وتعالى : {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}(الأنفال : 12).

فقد قال هنية في كلمته : “والله لكأننا نستشعر آيات الله وقرآنه يتنزل علينا من قلب هذه الأحداث، بحسب قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(آل عمران : 173).

فقد تعلموا من كتاب الله سبحانه وتعالى الصبر {فاصبر إن وعد الله حقٌ واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار}(غافر : 55) لقد رسم أهل غزة أبلغ الصور ، وعلموا الصبر نفسه كيف يكون الصبر  موقف أهل غزة يذكرنا بموقف الرسول  ومعه الصديق وحدهما أمام كل قوى الشر والبغي والعدوان وهمس الصديق لحبيبه محمد قائلا : لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا فيطمئنه الصادق المصدوق : لا تحزن إن الله معنا ما ظنك باثنين الله ثالثهما”.

إن أهل غزة تشبثوا بحقهم وأرضهم ولم تزعزعهم عروض الدنيا وشهواتها الفانية وباعوها واشتروا الآخرة واختاروا الشهادة  ،يقول الله سبحانه وتعالى : {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(التوبة : 111) والشهادة هي أعظم المراتب وأشرف المنازل ولا ينالها إلا من يختاره الله سبحانه : {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}(آل عمران : 140).

يا أحبتنا في غزة لا تنتظروا دعما من أحد ولا تنتظروا نصرا من مخلوق فقد ولى زمان المعتصم ، ولكن تشبثوا بكتاب الله سبحانه و تعالى الذي صنع منكم رجالا صادقين ، وهذا هو الطريق، {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(آل عمران : 160).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *