تفسير سورة الطلاق


30- {فاتَّقُوا الله يا أُولِي الألباب الذين آمَنُوا قد أنزل الله إليكم ذِكْرًا رسُولاً يتلوا عليكم آيات اللّه مبيَّنَات}

نعمة بعثة الرسول محمد  ووظيفته

1- تكليف الأمة برسالة الإسلام منة عظيمة :

لازلنا مع هذه الآية الكريمة التي تمن على المؤمنين بنعمتين عظيمتين هما : نعمة تنزيل الكتاب ونعمة ابتعاث محمد  وذلك قوله سبحانه وتعالى : {فاتَّقُوا الله يا أُولِي الألباب الذين آمَنُوا قد أنزل الله إليكم ذِكْرًا رسُولاً يتلوا عليكم آيات اللّه مبيَّنَات} هذه الآية أوضحت أنها قد مزجت بين نعمتين كبيرتين : نعمة إنزال هذا القرآن على هذه الأمة لتعيش به ولتحيى به وتهتدي به فإن ضل غيرها فإنها هي لا تضل، وإن تاه غيرها فإنها تبقى على الجادة وعلى الصواب.

ثم مزج الله تعالى بين ذلك وبين ابتعاث رسوله محمد  فقال : {أنزل اللَّه إليكُمْ ذِكْرا رسُولا} فمزج مزجا لطيفا بين الذِّكر والرسالة وهما نعمتان عظيمتان، لأن الذكر لم يصلْنا ولم نستطع أن نتعرف عليه إلا من خِلال الذي بلَّغ هذا الذكْر وأَوْصَله وهو الرسول  الذي هو في حد ذاته لم يكن مرسلا ولا كان من الممكن أن يكون مرسلا إلا بهذا الذكر، فبالذِّكر عرف الرسول وبالرسول عُرِف الذِّكْرُ وبالذِّكر كان محمدٌ رسولا، فهما أخوان متلازمان لا غنى لأحدهما عن الآخر.

ويستحيل تماما أن نأخذ بالقرآن إذا نحن أهملنا السنة ، ويستحيل أن نزعم أننا نأخذ بالقرآن ونلتزم به إذا نحن ضيعنا السنة فهما أمران متلازمان متجاوران متعاونان من أجل صلاح هذا الإنسان.

وفي هذه الآية يذكر الله تعالى أمورا منها أنه :

يذكر موضع المنة وهو بعثة الرسول  .

ويذكر كذلك مهمة الرسول.

ويذكر الغاية من ابتعاث هذا الرسول، فها هنا أمور ثلاثة : الإشارة إليه ، والإشارة إلى مهمته ووظيفته، والإشارة إلى الغاية التي من أجلها ابتعث :

فأما الإشارة إليه عليه السلام فهي قوله تعالى {رسولا} . وأما الإشارة إلى مهمته فهي قوله تعالى : {يَتْلوا عليكم آيات الله مبيَّنات} وأما الإشارة إلى الهدف والغاية والمقصد والمآل فهو إخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور.

إذن لهذا الرسول  مهمة ضرورية وأكيدة في إيجاد هذا المسمى الذي هو مسمى الإسلام، فهذا النبي العظيم وظيفته : أنه يبلغ هؤلاء المؤمنين القرآن، فهو من هذه الجهة هو الواسطة الناقلة للخبر من السماء إلى الأرض، وهذا في حد ذاته نعمةٌ ولطفٌ بهذه الأمة، لأن الرسالة وحْدَها منة، وليس هناك أي مسلك أو أي فعل يجب أن يفعله الإنسان ليصير نبيا إنما هي المنة الإلهية والاختيار الإلهي فالله تعالى هو الذي أعده وأظهره وكان في مستوى تحمُّل هذه الرسالة {اللّه أعْلَمُ حَيْثُ يجْعَلُ رِسالاتِه}(الأنعام : 125). هذا النبي بعد ذلك يتلقى الخبر من السماء، تأتيه الملائكة فيبلغوه الوحي ويوصله إلى الناس من غير زيادة فيه أو نقصان فتلاوته للقرآن : تبليغه للقرآن.

بل إن وظيفة  النبي والنبوة لا تقف عند هذا الحد بل تتعداه إلى وظيفة أخرى سامية هي وظيفة  بَيَان القرآن الكريم، فكيف ذلك؟

2- وظيفة البيان للقرآن الكريم :

هذه الوظيفة تحدث عنها كتاب الله وهي وظيفة البيان للقرآن الكريم {يتْلُوا عليكم آيات الله مبينات} وهذه الآياتُ مبيّنات ليصلُح وليسهُل العمل بها. إذن لرسول الله  دورٌ كبير في جعْل هذه الآيات آيات مبينات لأن الله تعالى حدَّد له هذه المهمّة ومنحه هذه الوظيفة {وأنزلنا إليك الذِّكر لتبيّن للناس ما نُزّل إليهم ولعلَّهم يتفكرون}(النحل : 44) إذن فالله تعالى حدد للرسول  هذه المهمة الإضافية وهي مهمة توضيح الآيات وتجلية معاني القرآن وبيان المقصود من أوامره ونواهيه وكيفية أدائها والامتثال لها.

وهذه ضرورية من أجل تطبيق القرآن فلا يمكن أن تكلَّف أمةٌ بأن تلتزم بكتاب هو عبارةٌ عن أوامر عامةٍ ومجملة ومبهمة، ولا يمكن إلزامُ أمة بأن تأخذ بكتاب، جُعل الفلاح كله، والنجاح كله مرتبطا بهذا القرآن، وبهذا الكتاب، إذا كان هذا الكتابُ في حد ذاته مجملاً وليس صالحًا للتطبيق، إن هذا الأمر نوعٌ من العبث فمن أجل أن يكون الكتابُ دستورَ الحياةِ، ومِنْ أجل أن يكُونَ منهجَ الحياة، ومن أجل أن يتيسَّر للناس الأخذ من هذا الكتاب، لا بد أن يكون هذا الكتاب في النهاية من الوضوح والتجلِّي والظهور والبيان.

إن كتابا ينزل ليقود البشريةَ لا يمكن أن يكون معمَّى من المعمَّيات أو لُغْزًا من الألغاز أو طَلْسمًا من الطلسمات إنه ليس كلامَ الكُهّان الذين يختارون  فيه التعمية لأنه كلام باطلٌ، إنه ليس كلام الذين يتكلمون بالرُّموز، إنه كتاب الهداية الذي يتسرب إلى القلب فإذا خالط القلب تحوَّل ذلك إلى أعمال صالحة وسلوك طيب

إذن لا بد أن يكون القرآن على هذا النحو ليطبَّق، لا بد أن يكون واضحا، ولابد أن تجتمع له جميع الشروط من أجل أن تجعله واضحا.

هذا مراد الله في هذا الكتاب لكن الذين أرادوا أن يعزلوا هذه الأمة عن هذا الكتاب وأرادوا أن يستَبِدُّوا بالناس دون هذا الكتاب ووُجد عندنا في تاريخ الأمة صنفان من الناس في موقفهم من القرآن الكريم :

صنف ادَّعى أن القرآن غامضٌ ولا سبيل إلى فهمه وبيانه، وأي محاولة لتفسيره هي محاولة مخطئة، حتى لو ظن صاحبُها أنه قد أصاب فقدْ أخْطَأ، ومن أخطأ في القرآن فقد كفر.

وقد كان قصْدُ هذه الطائفة تنفيرَ الناس من القرآن الكريم، ودعوتَهُم إلى الإعراض عنه، والاشتغال بغيره. ودَعوة هذا الصنف في غاية الخطورة والهدم، لأنها نابعة من بعض جَهَلة الأمة.

وصنف آخر ادّعى أن للقرآن ظاهرًا وباطنا، وأوغلوا في التأويل الباطني، وأسرفوا فيه، وقصروه على فئة خاصة، ادَّعَتْ علمها بأسرار القرآن ومقاصده البعيدة التي لا يمكن إدراكُها بالوسائل اللغوية والعقلية التي نصبها الله أدلةً وعلاماتٍ لسائر الناس، وكانت هذه الدعوى خطيرة أيضاً لما ترتب عنها من التحلل من تكاليف الشريعة، ومن تسيُّب عملي في تفسير كتاب الله من غير ضوابطَ علْمِيَّة وشَرْعية.

وكل من الصنفين أخطأ في فَهْم وظيفة الرسول  وقصَّر عن فهم الغاية من بعثة هذا الرسول ونسيَ أن القرآن يُبَيَّن بعضُهُ بعضا، وأن الرسول ما تركَ شيئا من القرآن الكريم إلا بيَّنه وبطُرق متنوعة ومتعددة.

3-  طــرق بيان الــرسول  للقرآن الكريم :

لقد فسر النبي  القرآن الكريم بأمر الله، وما ترك وسيلة تصلُح للبيان إلا استعملها، فكان يبيِّن للصحابة ما خفي عليهم مرةً بالقول، ومرة بالعمل والتطبيق، والصحابة يشاهدون ومرة بالتقرير، ومرة بالكتابة ومرة بالإشارة، ومرة بالتنبيه على العلّة ومرة بالرسم.

فمما فسره لهم بالقول تفسيره  حين وقف يفسر قوله تعالى {يومئذ تُحَدِّثُ أخبارها}(الزلزلة) فسأل الصحابة عن معنى تحدث أخبارها فقال لهم أتدرُون ما أخبارُها؟! فقالوا الله ورسوله أعلم فقال   أن تشهد على كل امرئ بما كَسَب على ظَهْرِها يوم القيامة . فهذا تفسير بالقول لما خفِيَتْ دلاَلَتُهُ على الصحابة كما فسر عليه السلام غير هذا من الآيات القرآنية التي كانت تحتاج إلى البيان والتوضيح.

ومما فسره النبي عليه السلام بفِعْله وتطبيقه أفعالُ الصلاة والحج حيث وردت في القرآن الكريم بألفاظ مُجْمَلة ففيما يتعلق ببيان الصلاة قال تعالى {وأقيموا الصلاة}(المزمل الآية 20 وفي سور كثيرة) فقال  : >صَلُّوا كما رأيتُمُوني أُصلي< فعلمهم كيفية الصلاة بفِعله وتبعَه الصحابة بفعل نفس ما فعل، وفي الأمر بالحج الذي ورد مجملا قال تعالى: {ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا}(آل عمران : 97) فقام عليه السلام بالحجِّ ليبين للناس كيف يحجون ويحققون ما أمر إليه فقال: “أيها الناس: خُذُوا عني مناسِكَكُم” فحج الصحابة مع رسول الله  وتعلموا كيفية الحج والعمرة من بيانه العملي عليه السلام.

كما بين عليه السلام كثيرا من الأحكام الأخرى بالكتابة، فقد بعث إلى بعض عماله وأمرائه بكتب ذكر لهم فيها آيات  الزكاة وأحكامَها وما يجب  فيها من الإبل أو الواجبات وحَدِّ النصاب ، كما بيّن لهم كتابةً كثيرًا من أحكام الدماء والديات مما كان يلزمه بيانه امتثالا لأمر الله عز وجل.

ومما بينه عليه السلام بالإشارة عدد أيام الشهر كما في قوله عليه السلام :”نَْحن أمة أمية لا نحسب ..الشهر   هكذا وهكذا و هكذا فيبسط أصابعه ويحرك يده ثلاث مرات ويأخذ إبهامه ويشير إلى أن العدد تسعة ، فيكون هذا البيان بالإشارة أَدْعى إلى الفهم والعمل.

وهناك نوعٌ آخر من التفسير والبيان لم يلتفت إليه العلماء لما تحثوا عن طرق تفسير القرآن، وهو نوع مُهِمٌّ ويجب أن يُدْرَج في الحقيقة في هذا الباب وهو تفسير القرآن وبيانه بالرسم.ففي بعض المرات بين الرسول  للصحابة بعض المعاني بالرسم فكان جالسا مع أصحابه وأخذ يرسم طريقًا أي خطين متوازيين ورسم داخل الخطين منافذ أو فتحاتٍ فقال عليه السلام : هذا هو خطٌّ مستقيمٌ وهذا هو الصراط المستقيم وأن على جانبيه حجرات أو دهاليز هي من استدعاءات الشيطان فمن دخل في بعضها وترك الطريق السويّ دخل في بعض مسالك الشيطان . إذن فالنبي  صور الصراط المستقيم وبيّنه للصحابة وللأمة من بعده بالخَط الواضح ووضَّح جَنْباته بأنها مسارب تؤدي إلى طرقات الشيطان، وعلى المؤمن أن يلزم الخطَّ المستقيم ولا يُستدرج إلى سبل الشيطان وهذا بيان عظيم وبليغ.

وهناك نوع آخر من البيان النبوي للقرآن الكريم يتعلق بالبيان عن طريق التنبيه للعلة، فقد كان النبي   ينبه إلى بعض المعاني عن طريق ذكر عِلَّة خاصة كنهيه عن بيْع الرُّطب بالتمْر بعلة التفاوت، فقال أيَنْقُص الرطب إذا يبس؟! قالوا نعم قال فلا، إذن فبيَّن أنه إذا حصل التفاوتُ فيكون فيه غَرَرٌ غير متوقع وغَبْنٌ.

وعلى العموم فإن هذه أضْربٌ من بيان الرسول  وتوضيحه لآيات القرآن الكريم، وكتاب الله عز وجل، لا يستغني عنها أحد ولا يدركُها أحدٌ إلا من أَوكل اللّه إليه مُهمة تبليغ وحْيِه وبيانه للناس، لذلك قال العلماء كمكحول الدمشقي : إن القرآن أشدُّ حاجةً وأحوج إلى السنة من السنة للقرآن . ولهذا كانت النبوة هبة من الله وكانت منة ونعمة عظمى تستحق أن يمُنَّ الله بها على عباده المومنين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *